أفكار وأشعار
ثقافية أدبية فكرية
أغرب قصيدة لأغرب شاعر

 نعم شاعرنا هذا غريب بل إنه جعل الغربة عنوانا له غريب عن العارفين بالأدب فلم يعرف من سيرته إلا اسمه وحتى ماعرفوه عن فقره وعن كونه من محلة الكرخ ببغداد وعن أنه كان متزوجاً كل هذا استنبطوه من قصيدته هذه التي نحن بصدد الحديث عنها وهو غريب في شعره فلايعرف من شعره إلا هذه القصيدة ولم يرو الناس له بيتاٌ واحداً غيرها بل والأغرب من ذلك هو كيف يقول هذه القصيدة المتناهية في الروعة والتي فاقت في مستواها وتأثيرها قصائد عظماء الشعراء كيف يقولها شخص لم يشتهر بالشعر . وبالإضافة إلى كل هذه الغرائب فإن شاعرنا كما تحكي قصته أجبره فقره على التغرب عن وطنه والبعد عن زوجته الفائقة الجمال والرحلة في طلب الرزق من بغداد إلى الأندلس وهذه غريبة تضاف إلى غرائب هذه القصة فبغداد مدينة غنية وكانت في جميع عصورها مهوى لأفئدة طالبي العمل فماالذي يدفع أحد أهلها للبحث عن الرزق في بلد غيرها ؟! وأين؟! في الأندلس! ولكثرة الغرائب في قصة القصيدة والشاعر أضافوا الناس لها أم الغرائب وقالوا أن هذه القصيدة ليست من شعر شاعرنا هذا ولكنها من شعر الجن قالوها وهم يعايشون قصته المؤلمة وكتبوها ثم وضعوها في رقعة تحت رأسه. 
  شاعرنا أحبائي هو أبو الحسن علي (أبو عبد الله) بن زريق الكاتب البغدادي.
انتقل إلى الأندلس وقيل إنه توفي فيها.
وقد عرف ابن زريق بقصيدته المشهورة ( لا تعذليه فإن العذل يولعه )
والتي يقال أنه تزوج بابنة عمه وكان قليل المال فرحل في طلب الرزق ومات ووجدت له هذه القصيدة التي تعد من عيون الشعر العربي
(لاتعذليه فإن العذل يولعه)

 
لا    تَعذَلِيه     فَإِنَّ     العَذلَ     يُولِعُهُ
قَد   قَلتِ   حَقاً   وَلَكِن   لَيسَ   يَسمَعُهُ
جاوَزتِ   فِي    لَومهُ    حَداً    أَضَرَّبِهِ
مِن   حَيثَ   قَدرتِ   أَنَّ   اللَومَ   يَنفَعُهُ
فَاستَعمِلِي   الرِفق   فِي    تَأِنِيبِهِ    بَدَلاً
مِن  عَذلِهِ  فَهُوَ  مُضنى  القَلبِ   مُوجعُهُ
قَد   كانَ   مُضطَلَعاً    بِالخَطبِ    يَحمِلُهُ
فَضُيَّقَت    بِخُطُوبِ    المَهرِ     أَضلُعُهُ
يَكفِيهِ  مِن   لَوعَةِ   التَشتِيتِ   أَنَّ   لَهُ
مِنَ   النَوى   كُلَّ   يَومٍ    ما    يُروعُهُ
ما   آبَ   مِن   سَفَرٍ    إلا    وَأَزعَجَهُ
رَأيُ    إِلى    سَفَرٍ    بِالعَزمِ    يَزمَعُهُ
كَأَنَّما    هُوَ     فِي     حِلِّ     وَمُرتحلٍ
مُوَكَّلٍ      بِفَضاءِ      اللَهِ      يَذرَعُهُ
إِنَّ  الزَمانَ  أَراهُ   في   الرَحِيلِ   غِنىً
وَلَو  إِلى  السَدّ  أَضحى   وَهُوَ   يُزمَعُهُ
تأبى    المطامعُ    إلا    أن    تُجَشّمه
للرزق    كداً    وكم    ممن     يودعُهُ
وَما     مُجاهَدَةُ     الإِنسانِ     تَوصِلُهُ
رزقَاً     وَلادَعَةُ     الإِنسانِ     تَقطَعُهُ
قَد   وَزَّع   اللَهُ   بَينَ   الخَلقِ   رزقَهُمُ
لَم   يَخلُق   اللَهُ   مِن   خَلقٍ    يُضَيِّعُهُ
لَكِنَّهُم   كُلِّفُوا   حِرصاً    فلَستَ    تَرى
مُستَرزِقاً    وَسِوى    الغاياتِ     تُقنُعُهُ
وَالحِرصُ في الأرِزاقِ وَالأَرزاقِ قَد قُسِمَت
بَغِيُ   أَلا   إِنَّ   بَغيَ   المَرءِ   يَصرَعُهُ
وَالدهرُ  يُعطِي  الفَتى  مِن  حَيثُ  يَمنَعُه
إِرثاً    وَيَمنَعُهُ    مِن    حَيثِ    يُطمِعُهُ
اِستَودِعُ   اللَهَ   فِي   بَغدادَ   لِي   قَمَراً
بِالكَرخِ   مِن   فَلَكِ    الأَزرارَ    مَطلَعُهُ
وَدَّعتُهُ     وَبوُدّي      لَو      يُوَدِّعُنِي
صَفوَ    الحَياةِ    وَأَنّي    لا     أَودعُهُ
وَكَم  تَشبَّثَ  بي  يَومَ   الرَحيلِ   ضُحَىً
وَأَدمُعِي        مُستَهِلاتٍ         وَأَدمُعُهُ
لا  أَكُذب   اللَهَ  ثوبُ   الصَبرِ   مُنخَرقٌ
عَنّي      بِفُرقَتِهِ       لَكِن       أَرَقِّعُهُ
إِنّي    أَوَسِّعُ    عُذري    فِي    جَنايَتِهِ
بِالبينِ   عِنهُ    وَجُرمي    لا    يُوَسِّعُهُ
رُزِقتُ   مُلكاً   فَلَم    أَحسِن    سِياسَتَهُ
وَكُلُّ  مَن   لا   يُسُوسُ   المُلكَ   يَخلَعُهُ
وَمَن   غَدا   لابِساً   ثَوبَ   النَعِيم   بِلا
شَكرٍ    عَلَيهِ    فَإِنَّ     اللَهَ     يَنزَعُهُ
اِعتَضتُ  مِن  وَجهِ   خِلّي   بَعدَ   فُرقَتِهِ
كَأساً    أَجَرَّعُ    مِنها    ما     أَجَرَّعُهُ
كَم  قائِلٍ   لِي   ذُقتُ   البَينَ   قُلتُ   لَهُ
الذَنبُ   وَاللَهِ    ذَنبي    لَستُ    أَدفَعُهُ
أَلا    أَقمتَ    فَكانَ    الرُشدُ     أَجمَعُهُ
لَو   أَنَّنِي   يَومَ   بانَ   الرُشدُ    أتبَعُهُ
إِنّي      لأقطَعُ      أيّامِي       وَأنفِقها
بِحَسرَةٍ    مِنهُ    فِي    قَلبِي     تُقَطِّعُهُ
بِمَن   إِذا    هَجَعَ    النُوّامُ    بِتُّ    لَهُ
بِلَوعَةٍ    مِنهُ    لَيلي    لَستُ    أَهجَعُهُ
لا   يَطمِئنُّ    لِجَنبي    مَضجَعٌ    وَكَذا
لا   يَطمَئِنُّ   لَهُ   مُذ   بِنتُ    مَضجَعُهُ
ما  كُنتُ  أَحسَبُ   أَنَّ   الدهرَ   يَفجَعُنِي
بِهِ   وَلا   أَظن   بي    الأَيّامَ    تَفجعُهُ
حَتّى   جَرى   البَينُ   فِيما   بَينَنا   بِيَدٍ
عَسراءَ    تَمنَعُنِي     حَظّي     وَتَمنَعُهُ
فِي  ذِمَّةِ   اللَهِ   مِن   أَصبَحَت   مَنزلَهُ
وَجادَ   غَيثٌ   عَلى    مَغناكَ    يُمرِعُهُ
مَن   عِندَهُ   لِي   عَهدُ    لا    يُضيّعُهُ
كَما   لَهُ   عَهدُ   صِداقٍ    لا    أُضَيِّعُهُ
وَمَن    يُصَدِّعُ    قَلبي    ذِكرَهُ     وَإِذا
جَرى   عَلى   قَلبِهِ    ذِكري    يُصَدِّعُهُ
لأَصبِرَنَّ      لِدهرٍ      لا       يُمَتِّعُنِي
بِهِ    وَلا    بِيَ    فِي    حالٍ    يُمَتِّعُهُ
عِلماً   بِأَنَّ   اِصطِباري   مُعقِبُ   فَرَجاً
فَأَضيَقُ   الأَمرِ   إِن    فَكَّرتَ    أَوسَعُهُ
عَسى   اللَيالي   الَّتي   أَضنَت   بِفُرقَتَنا
جِسمي    سَتَجمَعُنِي    يَوماً     وَتَجمَعُهُ
وَإِن     تُغِلُّ     أَحَدَاً     مِنّا     مَنيَّتَهُ
فَما    الَّذي    بِقَضاءِ    اللَهِ    يَصنَعُهُ
 

(8) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 26 ديسمبر, 2006 04:23 ص , من قبل عاشقة الصحراء
من المملكة العربية السعودية

بصراحة القصيدة مثلما كتبت وأكثر وهى فعلا تحاكي واقعنا اليوم كثيرا
ولقد تأثرت بها لدرجة ان الدموع سالت على خدي فشكرا لك لانك اهديتنا هذه القصيدة الأكثر من رائعة

اضيف في 26 ديسمبر, 2006 06:24 ص , من قبل hams333
من المملكة العربية السعودية

شكرا أختي عاشقة الصحراء تشجيعكم هو زادنا...ولقد أخذت عهدا على نفسي أن أورد أبدع القصائد التي قالتها العرب وبإذن الله ترون في هذه المدونة أعظم القصائد التي تجمع قوة العبارة وقوة التأثير وذيوع الصيت وبديع الفائدة.

اضيف في 03 يناير, 2007 11:43 ص , من قبل mahirj11
من المملكة العربية السعودية


والله قصيده رائعه
وقصتها اروع ومحزنه

ورحم الله هذا الشاعر العظيم

وشكراااااااااا

اضيف في 05 يناير, 2007 01:22 ص , من قبل hams333
من المملكة العربية السعودية

الشكر لجميع من شجعني ولعيونكم والله لعيونكم وبتوفيق الله إن شاء الله ترون كل مايسركم.

اضيف في 04 مارس, 2007 10:14 م , من قبل ذات قلب
من المملكة العربية السعودية

أخي الفاضل هشام

لله درك .. فما أروع اختيارك

وما أعظم مدونتك

كن بهذا الرقي وهذا الفكر

خالص احترامي وتقديري لك

اضيف في 05 مارس, 2007 01:26 م , من قبل hams333

شرفني مرورك وتشجيعك وإن شاء الله نكون عند حسن الظن دائماً.

اضيف في 22 يوليو, 2008 05:14 ص , من قبل وفاء
من مصر

لا أَكُذب اللَهَ ثوبُ الصَبرِ مُنخَرقٌ
عَنّي بِفُرقَتِهِ لَكِن أَرَقِّعُهُ
إِنّي أَوَسِّعُ عُذري فِي جَنايَتِهِ
بِالبينِ عِنهُ وَجُرمي لا يُوَسِّعُهُ
هشام
شكرا لك
تحياتي لصبرك و جدك و جميل نقلك
وسلاما علي روح طيبة سطرت بالمها عذب الكلام

اضيف في 30 يوليو, 2008 07:31 ص , من قبل hams333
من المملكة العربية السعودية

شاكر مرورك الجميل أخت وفاء وتشريفك للمدونة بين الفينة والأخرى ويشرفني أن تكون إنسانة مثقفة مثلك من قراء المدونة.



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية