أفكار وأشعار
ثقافية أدبية فكرية
رائعة أبي تمام في فتح عمورية

كانت وصية الخليفة المأمون لأخيه المعتصم وهو على فراش المرض أن يقضي على فتنة بابك الخُرَّمي، وكان زعيم فرقة ضالة، تؤمن بالحلول وتناسخ الأرواح، وتدعو إلى الإباحية الجنسية. وبدأت تلك الفتنة تطل برأسها في أذربيجان، ثم اتسع نطاقها لتشمل همدان وأصبهان، وبلاد الأكراد وجرحان. وحاول المأمون أن يقضي عليها فأرسل الحملات تترى لقمع تلك الفتنة، لكنه توفي دون أن يحقق نجاحًا، تاركًا للمعتصم مهمة القضاء عليها.

وما إن تولى المعتصم الخلافة حتى انصرف بكليته للقضاء على فتنة بابك الخرمي مهما كلفه الأمر، وخاصة بعد أن شغلت الخلافة سنوات طويلة، وأنهكت ميزانية الدولة، وأهلكت الرجال والأبطال. واستغلت الدولية البيزنطية انشغال الخليفة المعتصم بالقضاء على تلك الفتنة الهوجاء وراحت تعتدي على حدود الدولة العباسية، وجهزت لذلك جيشًا ضخمًا قادة إمبراطور الدولة، حيث هاجم شمال الشام والجزيرة.

وكان بابك الخرمي -حين ضاق عليه الحصار، واشتد الخناق عليه، وأيقن ألا مفر من الاستسلام- قد اتصل بإمبراطور الروم يحرضه على غزو الدولة العباسية؛ ليخف الحصار عليه، وزين له أمر الهجوم بأن معظم جيوش الدولة مشغول بالقضاء عليه، ولم يبق في العاصمة قوة تدافع عنها، ووعده باعتناق المسيحية هو وأتباعه.

عزز ذلك الأمر من رغبة الإمبراطور في الهجوم على الدولة العباسية، ودخل بقواته مدينة "زبطرة" التي تقع على الثغور وكانت تخرج منها الغزوات ضد الروم. وقتل الجيش البيزنطي من بداخل المدينة من الرجال، ثم انتقل إلى "ملطية" المجاورة، فأغار عليها وعلى كثير من الحصون، ومثّل الجيش الرومي بمن وقع في يده من المسلمين، وسمل أعينهم، وقطع آذانهم وأنوفهم، وسبى أكثر من ألف امرأة مسلمة، ورجع الجيش البيزنطي إلى القسطنطينية فرحًا بما حقق، واستُقبل من أهلها استقبالا رائعًا

النفير

وصلت هذه الأنباء المروعة إلى أسماع الخليفة المعتصم وكان قد أوشك على قمع فتنة بابك الخرمي. وحكى الهاربون الفظائع التي ارتكبها الروم مع المسلمين، فاستعظم الخليفة ما حدث، وأمر بعمامة الغزاة فاعتمّ بها، ونادى لساعته بالنفير والاستعداد للحرب، وبعث بنجدة إلى أهل زبطرة بقيادة "عجيف بن عنبسة"، استطاعت أن ترد إليها الهاربين من أهلها تطمئنهم، وفي هذه الأثناء تمكن "الأفشين" أبرع قادة المعتصم من القضاء على الفتنة وألقى القبض على بابك الخرمي في (10 من شوال 222هـ = 16 من سبتمبر 837 م).

وكان المعتصم قد سأل: أي بلاد الروم أمنع وأحصن؟ فقيل: عمورية؛ لم يعرض لها أحد من المسلمين منذ كان الإسلام وهي عين النصرانية، فسارع بتعبئة الحملة وتجهيز الجيش بكل ما يحتاجه، حتى قيل: إنه لم يتجهز قبله مثله، وخرج إلى عمورية في جمادى الأولى 223هـ= إبريل 838م  ولم تكن من عادة الحملات الكبرى الخروج في ذلك الوقت، غير أن الخليفة كان متلهفا للقاء، ورفض قبول توقيت المنجّمين الذين تنبئوا بفشل الحملة إذا خرجت في هذا التوقيت

فتح أنقرة

وعند "سروج" قسم المعتصم جيشه الجرار إلى فرقتين: الأولى بقيادة الأفشين، ووجهتها أنقرة، وسار هو بالفرقة الثانية، وبعث "أشناس" بقسم منها إلى أنقرة ولكن من طريق آخر، وسار هو في إثره، على أن يلتقي الجميع عند أنقرة.

علم المعتصم من عيونه المنتشرين في المنطقة أن الإمبراطور البيزنطي قد كمن شهرًا لملاقاة الجيش الإسلامي على غرّة، وأنه ذهب لمفاجأة الأفشين، وحاول الخليفة أن يحذر قائده، لكنه لم يستطع، واصطدم الأفشين بقوات الإمبراطور عند "دزمون" وألحق الأفشين بالإمبراطور البيزنطي هزيمة مدوية في (25 من شعبان 223 هـ= 838م) ولم يحل دون النصر الضباب الكثيف الذي أحاط بأرض المعركة أو المطر الغزير الذي انهمر دون انقطاع، وهرب الإمبراطور إلى القسطنطينية، وبقي قسم من جيشه في عمورية بقيادة خاله "ياطس" حاكم "أناتوليا".

دخلت جيوش المعتصم أنقرة التي كانت قد أخليت بعد هزيمة الإمبراطور، وتوجهت إلى عمورية فوافتها بعد عشرة أيام، وضربت عليها حصارًا شديدًا.

حصار عمورية

بدأ الحصار في (6 من رمضان 223هـ= 1 من أغسطس 838م)، وأحاطت الأبراج الحربية بأسوار المدينة، في الوقت نفسه بعث الإمبراطور البيزنطي برسوله يطلب الصلح، ويعتذر عما فعله جيشه بزبطرة، وتعهد بأن يبنيها ويردّ ما أخذه منها، ويفرج عن أسرى المسلمين الذين عنده، لكن الخليفة رفض الصلح، ولم يأذن للرسول بالعودة حتى أنجز فتح عمورية.

ابتدأت المناوشات بتبادل قذف الحجارة ورمي السهام فقُتل كثيرون. وكان يمكن أن يستمر هذا الحصار مدة طويلة، لولا أن أسيرًا عربيًا قد أسره الروم دلّ الخليفة المعتصم على جانب ضعيف في السور، فأمر المعتصم بتكثيف الهجوم عليه حتى انهار، وانهارت معه قوى المدافعين عنه بعد أن يئسوا من المقاومة، واضطر قائد الحامية "ياطس" إلى التسليم، فدخل المعتصم وجنده مدينة عمورية في (17 من رمضان 223هـ= 12 من أغسطس 838م).
وقد سجل أبو تمام هذا النصر العظيم وخلّد ذكرى المعركة في قصيدته العظيمة التي خلدتها كتب التاريخ والأدب. وقبل التطرق إلى القصيدة لابد من التطرق لترجمة بسيطة لهذا الشاعر العظيم الذي سطر هذه الملحمة :

حبيب بن أوس بن الحارث الطائي المعروف باسم أَبو تَمّام عاش ما بين عاميّ 188 و 231 هـ (803 - 845 م). أحد أمراء البيان، ولد بجاسم (من قرى حوران بـسورية) ورحل إلى مصر وعمل بها سقاءً وهو في أثناء ذلك يطلب العلم وينشد الشعر حتى ذاع أمره واستقدمه المعتصم إلى بغداد فأجازه وقدمه على شعراء وقته فأقام في العراق ثم ولي بريد الموصل فلم يتم سنتين حتى توفي بها.

كان أسمر، طويلاً، فصيحاً، حلو الكلام، فيه تمتمة يسيرة، يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة من أراجيز العرب غير القصائد والمقاطيع. وفي أخبار أبي تمام للصولي: «أنه كان أجش الصوت يصطحب راوية له حسن الصوت فينشد شعره بين يدي الخلفاء والأمراء».

في شعره قوة وجزالة، له تصانيف، منها فحول الشعراء، وديوان الحماسة، ومختار أشعار القبائل. وديوان الحماسة الذي جمعه أبو تمام من أشعار العرب أصبح من أمهات الكتب الأدبية ، وقصة هذه الكتاب عجيبة وتدل على علو همة شاعرنا التي نلحظها أينما تنقلنا بين مراحل حياته فقد قيل أن أحد الأمراء بنواحي خراسان استقدم أبا تمام ليمدحه وحين حضر إليه أبو تمام كان الشتاء شديدا فأشفق الأمير على أبي تمام من العودة في هذا الجو فاستضافه واجتهد في إكرامه وقال : له اطلب ماشئت نحضره لك ...فلم يطلب نساء ولا خمرا ولا أطايب الطعام ولكنه طلب من الأمير أن يتحفه بكل ماتحتويه مكتبته من الكتب ليقرأه فلبى الأمير له طلبه وهناك اختمرت في رأس شاعرنا فكرة تأليف هذا الكتاب وبدلا من أن يقضي وقته في معاقرة الخمر ومعاشرة الجواري كما كانت عادة شعراء عصره انشغل بتأليف أعظم تحف الأدب التي عرفها محبي الأدب باسم " حماسة أبي تمام" .
لم يعش أبو تمام طويلا مثل غيره من الشعراء فقد مات عن عمر لم يناهز الثالثة والأربعين وقد فسر ذلك بعض فلاسفة عصره بأن من كان مثل أبي تمام عالي الهمة لايعيش طويلا فهو حينما ينظم الشعر يحترق... ولتعرفوا كيف كان يحترق أبوتمام حين يقول الشعر اقرؤوا قصيدته هذه وانظروا إلى ماأودعه فيها من إبداعات بلاغية وصور شعرية ومعان ٍ فلسفية لتعلموا كيف تعب حتى نظم كل هذا في قصيدة متناسقة يناسب وزنها وقافيتها المناسبة التي قيلت فيها فإلى هذه الرائعة التي كانت حين ألقاها أبو تمام أروع ماتتوج به أفراح النصر التي عمت البلاد الإسلامية بمناسبة هذا النصر وقد ألقاها أبو تمام  بين يدي الخليفة في وسط مظاهر البهجة التي حفلت بها بغداد في ذلك اليوم الذي احتفلت فيه باستقبال المنتصرين:
السَّيْفُ   أَصْدَقُ   أَنْبَاءً   مِنَ     الكُتُبِ
            
فِي  حَدهِ  الحَدُّ   بَيْنَ   الجِد     واللَّعِبِ

بيضُ الصَّفَائِحِ لاَ سُودُ  الصَّحَائِفِ  فِي
            
مُتُونِهنَّ    جلاءُ    الشَّك       والريَبِ

والعِلْمُ  فِي   شُهُبِ   الأَرْمَاحِ     لاَمِعَةً
            
بَيْنَ  الخَمِيسَيْنِ  لافِي  السَّبْعَةِ    الشُّهُبِ

أَيْنَ  الروايَةُ  بَلْ  أَيْنَ   النُّجُومُ     وَمَا
            
صَاغُوه مِنْ زُخْرُفٍ  فيها  ومنْ    كَذِبِ

تَخَرُّصَاً        وأَحَادِيثاً           مُلَفَّقَةً
            
لَيْسَتْ   بِنَبْعٍ   إِذَا   عُدَّتْ     ولاغَرَبِ

عَجَائِباً    زَعَمُوا     الأَيَّامَ       مُجْفِلَةً
            
عَنْهُنَّ فِي  صَفَرِ  الأَصْفَار  أَوْ    رَجَبِ

وخَوَّفُوا  الناسَ   مِنْ   دَهْيَاءَ   مُظْلِمَةٍ
            
إذَا  بَدَا  الكَوْكَبُ  الْغَرْبِيُّ  ذُو     الذَّنَبِ

وَصَيَّروا    الأَبْرجَ    العُلْيا      مُرَتِّبَةً
            
مَا   كَانَ   مُنْقَلِباً   أَوْ   غيْرَ     مُنْقَلِبِ

يقضون  بالأمرِ  عنها   وهْيَ     غافلةٌ
            
مادار  فِي  فلكٍ   منها   وفِي     قُطُبِ

لو   بيَّنت   قطّ   أَمراً   قبْل     مَوْقِعِه
            
لم  تُخْفِ  ماحلَّ   بالأوثانِ   والصُّلُبِ

فَتْحُ  الفُتوحِ  تَعَالَى   أَنْ   يُحيطَ     بِهِ
            
نَظْمٌ مِن الشعْرِ  أَوْ  نَثْرٌ  مِنَ    الخُطَبِ

فَتْحٌ    تفَتَّحُ    أَبْوَابُ    السَّمَاءِ      لَهُ
            
وتَبْرزُ  الأَرْضُ  فِي  أَثْوَابِهَا     القُشُبِ

يَا   يَوْمَ   وَقْعَةِ   عَمُّوريَّةَ     انْصَرَفَتْ
            
مِنْكَ  المُنَى   حُفَّلاً   مَعْسُولَةَ     الحَلَبِ

أبقيْتَ  جِدَّ  بَنِي  الإِسلامِ   فِي   صَعَدٍ
            
والمُشْرِكينَ  ودَارَ  الشرْكِ  فِي  صَبَبِ

أُمٌّ   لَهُمْ   لَوْ    رَجَوْا    أَن    تُفْتَدى
            
جَعَلُوا  فدَاءَهَا  كُلَّ   أُمٍّ   مِنْهُمُ     وَأَب

وَبَرْزَةِ  الوَجْهِ  قَدْ   أعْيَتْ     رِيَاضَتُهَا
            
كِسْرَى وصدَّتْ صُدُوداً عَنْ أَبِي    كَرِبِ

بِكْرٌ   فَما   افْتَرَعَتْهَا    كَفُّ    حَادِثَةٍ
            
وَلا   تَرَقَّتْ    إِلَيْهَا    هِمَّةُ      النُّوَبِ

مِنْ  عَهْدِ  إِسْكَنْدَرٍ  أَوْ  قَبل  ذَلِكَ     قَدْ
            
شَابَتْ نَواصِي اللَّيَالِي  وهْيَ  لَمْ    تَشِبِ

حَتَّى  إذَا  مَخَّضَ   اللهُ   السنين     لَهَا
            
مَخْضَ  البِخِيلَةِ  كانَتْ  زُبْدَةَ     الحِقَبِ

أَتَتْهُمُ    الكُرْبَةُ    السَّوْدَاءُ       سَادِرَةً
            
مِنْهَا  وكانَ   اسْمُهَا   فَرَّاجَةَ     الكُرَبِ

جَرَى  لَهَا  الفَألُ  بَرْحَاً   يَوْمَ     أنْقِرَةٍ
            
إذْ غُودِرَتْ وَحْشَةَ  السَّاحَاتِ  والرِّحَبِ

لمَّا  رَأَتْ  أُخْتَها  بِالأَمْسِ  قَدْ    خَرِبَتْ
            
كَانَ الْخَرَابُ  لَهَا  أَعْدَى  من    الجَرَبِ

كَمْ  بَيْنَ  حِيطَانِهَا  مِنْ  فَارسٍ     بَطَلٍ
            
قَانِي  الذَّوائِب  من  آني   دَمٍ     سَربِ

بسُنَّةِ   السَّيْفِ   والخطي   مِنْ     دَمِه
            
لاسُنَّةِ   الدين   وَالإِسْلاَمِ      مُخْتَضِبِ

لَقَدْ   تَرَكتَ   أَميرَ    الْمُؤْمنينَ      بِها
            
لِلنَّارِ  يَوْماً  ذَليلَ  الصَّخْرِ     والخَشَبِ

غَادَرْتَ فيها بَهِيمَ  اللَّيْلِ  وَهْوَ    ضُحًى
            
يَشُلُّهُ   وَسْطَهَا   صُبْحٌ   مِنَ      اللَّهَبِ

حَتَّى  كَأَنَّ  جَلاَبيبَ   الدُّجَى     رَغِبَتْ
            
عَنْ  لَوْنِهَا  وكَأَنَّ  الشَّمْسَ   لَم   تَغِبِ

ضَوْءٌ  مِنَ   النَّارِ   والظَّلْمَاءُ     عاكِفَةٌ
            
وَظُلْمَةٌ مِنَ  دُخَانٍ  فِي  ضُحىً    شَحبِ

فالشَّمْسُ  طَالِعَةٌ  مِنْ  ذَا   وقدْ     أَفَلَتْ
            
والشَّمْسُ  وَاجِبَةٌ  مِنْ  ذَا  ولَمْ     تَجِبِ

تَصَرَّحَ  الدَّهْرُ  تَصْريحَ   الْغَمَامِ     لَها
            
عَنْ  يَوْمِ  هَيْجَاءَ  مِنْهَا  طَاهِرٍ   جُنُبِ

لم تَطْلُعِ  الشَّمْسُ  فيهِ  يَومَ  ذَاكَ  على
            
بانٍ  بأهلٍ  وَلَم  تَغْرُبْ  على     عَزَبِ

مَا  رَبْعُ  مَيَّةَ   مَعْمُوراً   يُطِيفُ     بِهِ
            
غَيْلاَنُ أَبْهَى رُبىً  مِنْ  رَبْعِهَا    الخَرِبِ

ولا  الْخُدُودُ  وقدْ  أُدْمينَ   مِنْ   خجَلٍ
            
أَشهى إلى ناظِري  مِنْ  خَدها    التَّرِبِ

سَماجَةً   غنِيَتْ   مِنَّا   العُيون      بِها
            
عَنْ كل  حُسْنٍ  بَدَا  أَوْ  مَنْظَر    عَجَبِ

وحُسْنُ     مُنْقَلَبٍ     تَبْقى     عَوَاقِبُهُ
            
جَاءَتْ   بَشَاشَتُهُ   مِنْ   سُوءِ   مُنْقَلَبِ

لَوْ يَعْلَمُ الْكُفْرُ  كَمْ  مِنْ  أَعْصُرٍ    كَمَنَتْ
            
لَهُ  العَواقِبُ   بَيْنَ   السُّمْرِ     والقُضُبِ

تَدْبيرُ     مُعْتَصِمٍ      بِاللهِ        مُنْتَقِمٍ
            
للهِ    مُرْتَقِبٍ    فِي    اللهِ      مُرْتَغِبِ

ومُطْعَمِ   النَّصرِ   لَمْ   تَكْهَمْ      أَسِنَّتُهُ
            
يوْماً ولاَ حُجِبَتْ  عَنْ  رُوحِ    مُحْتَجِبِ

لَمْ  يَغْزُ  قَوْماً،  ولَمْ  يَنْهَدْ   إلَى     بَلَدٍ
            
إلاَّ   تَقَدَّمَهُ    جَيْشٌ    مِنَ      الرعُبِ

لَوْ لَمْ يَقُدْ جَحْفَلاً ، يَوْمَ الْوَغَى  ،    لَغَدا
            
مِنْ نَفْسِهِ ، وَحْدَهَا ، فِي  جَحْفَلٍ    لَجِبِ

رَمَى   بِكَ   اللهُ    بُرْجَيْهَا      فَهَدَّمَها
            
ولَوْ  رَمَى  بِكَ  غَيْرُ  اللهِ  لَمْ     يُصِبِ

مِنْ  بَعْدِ   ما   أَشَّبُوها   واثقينَ     بِهَا
            
واللَّهُ  مِفْتاحُ   بَابِ   المَعقِل     الأَشِبِ

وقال  ذُو  أَمْرِهِمْ   لا   مَرْتَعٌ     صَدَدٌ
            
للسَّارِحينَ  وليْسَ  الوِرْدُ   مِنْ     كَثَبِ

أَمانياً    سَلَبَتْهُمْ     نُجْحَ       هَاجِسِها
            
ظُبَى السُّيُوفِ  وأَطْرَاف  القنا    السُّلُبِ

إنَّ  الحِمَامَيْنِ  مِنْ  بِيضٍ  ومِنْ    سُمُرٍ
            
دَلْوَا  الحياتين  مِن  مَاءٍ  ومن    عُشُبٍ

لَبَّيْتَ   صَوْتاً   زِبَطْرِيًّا   هَرَقْتَ     لَهُ
            
كَأْسَ الكَرَى  وَرُضَابَ  الخُرَّدِ  العُرُبِ

عَداكَ  حَرُّ  الثُّغُورِ  المُسْتَضَامَةِ     عَنْ
            
بَرْدِ  الثُّغُور  وعَنْ  سَلْسَالِها    الحَصِبِ

أَجَبْتَهُ    مُعْلِناً     بالسَّيْفِ     مُنْصَلِتاً
            
وَلَوْ  أَجَبْتَ  بِغَيْرِ  السَّيْفِ   لَمْ     تُجِبِ

حتّى  تَرَكْتَ  عَمود   الشرْكِ   مُنْعَفِراً
            
ولَم  تُعَرجْ   عَلى   الأَوتَادِ     وَالطُّنُبِ

لَمَّا رَأَى  الحَرْبَ  رَأْيَ  العين  تُوفَلِسٌ
            
والحَرْبُ  مُشْتَقَّةُ  المَعْنَى  مِنَ    الحَرَبِ

غَدَا    يُصَرفُ    بِالأَمْوال      جِرْيَتَها
            
فَعَزَّهُ   البَحْرُ   ذُو   التَّيارِ     والحَدَبِ

هَيْهَاتَ ! زُعْزعَتِ الأَرْضُ الوَقُورُ    بِهِ
            
عَن  غَزْوِ  مُحْتَسِبٍ  لاغزْو   مُكتسِبِ

لَمْ   يُنفِق   الذهَبَ   المُرْبي     بكَثْرَتِهِ
            
على  الحَصَى  وبِهِ  فَقْرٌ  إلى    الذَّهَبِ

إنَّ   الأُسُودَ   أسودَ    الغيلِ    همَّتُها
            
يَومَ الكَرِيهَةِ  فِي  المَسْلوب  لا  السَّلبِ

وَلَّى،   وَقَدْ   أَلجَمَ   الخطيُّ      مَنْطِقَهُ
            
بِسَكْتَةٍ  تَحْتَها  الأَحْشَاءُ   فِي   صخَبِ

أَحْذَى قَرَابينه صَرْفَ  الرَّدَى    ومَضى
            
يَحْتَثُّ  أَنْجى   مَطَاياهُ   مِن     الهَرَبِ

مُوَكلاً    بِيَفَاعِ     الأرْضِ     يُشْرِفُهُ
            
مِنْ خِفّةِ  الخَوْفِ  لامِنْ  خِفَّةِ    الطرَبِ

إنْ يَعْدُ مِنْ حَرهَا عَدْوَ  الظَّلِيم  ،    فَقَدْ
            
أَوْسَعْتَ  جاحِمَها  مِنْ  كَثْرَةِ     الحَطَبِ

تِسْعُونَ  أَلْفاً  كآسادِ  الشَّرَى   نَضِجَتْ
            
جُلُودُهُمْ  قَبْلَ   نُضْجِ   التينِ   والعِنَبِ

يارُبَّ   حَوْبَاءَ   لمَّا   اجْتُثَّ   دَابِرُهُمْ
            
طابَتْ ولَوْ ضُمخَتْ بالمِسْكِ  لَمْ    تَطِبِ

ومُغْضَبٍ  رَجَعَتْ  بِيضُ  السُّيُوفِ    بِهِ
            
حَيَّ الرضَا مِنْ  رَدَاهُمْ  مَيتَ  الغَضَبِ

والحَرْبُ   قائمَةٌ   فِي   مأْزِقٍ     لَجِجٍ
            
تَجْثُو  القِيَامُ  بِه  صُغْراً  على    الرُّكَبِ

كَمْ  نِيلَ  تحتَ  سَناهَا  مِن  سَنا    قمَرٍ
            
وتَحْتَ  عارِضِها  مِنْ  عَارِضٍ    شَنِبِ

كَمْ كَانَ فِي قَطْعِ  أَسبَاب  الرقَاب    بِها
            
إلى   المُخَدَّرَةِ   العَذْرَاءِ   مِنَ     سَبَبِ

كَمْ  أَحْرَزَتْ  قُضُبُ  الهنْدِي     مُصْلَتَةً
            
تَهْتَزُّ  مِنْ  قُضُبٍ   تَهْتَزُّ   فِي     كُثُبِ

بيضٌ  ،  إذَا  انتُضِيَتْ   مِن     حُجْبِهَا
            
رَجعَتْ أَحَقُّ بالبيض أترَاباً مِنَ الحُجُبِ

خَلِيفَةَ  اللَّهِ  جازَى  اللَّهُ  سَعْيَكَ     عَنْ
            
جُرْثُومَةِ  الديْنِ   والإِسْلاَمِ     والحَسَبِ

بَصُرْتَ  بالرَّاحَةِ  الكُبْرَى  فَلَمْ     تَرَها
            
تُنَالُ  إلاَّ  على   جسْرٍ   مِنَ     التَّعبِ

إن كان بَيْنَ صُرُوفِ الدَّهْرِ  مِن    رَحِمٍ
            
مَوْصُولَةٍ  أَوْ   ذِمَامٍ   غيْرِ     مُنْقَضِبِ

فبَيْنَ   أيَّامِكَ   اللاَّتي   نُصِرْتَ     بِهَا
            
وبَيْنَ   أيَّامِ    بَدْرٍ    أَقْرَبُ      النَّسَبِ

أَبْقَتْ بَني الأصْفَر  المِمْرَاضِ    كاسْمِهمُ
            
صُفْرَ  الوجُوهِ  وجلَّتْ  أَوْجُهَ     العَرَبِ
 
 
 

(1) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية