شاعرنا اليوم هو مؤسس مدرسة صناعة الشعر في الأدب العربي ، وهو أعظم شعراء الجاهلية في نظر كثير من نقاد الأدب قديماً وحديثاً . وحق له ذلك وهو الذي رضي بالشعر ميراثاً يرثه عن خاله ؛ فقد قيل أنه لما كان خاله بشامة بن الغدير على فراش الموت وزع ميراثه على أقاربه ولم يعط شاعرنا شيئاً، فقال شاعرنا: وأنا ماأبقيت لي ياخال. قال له: أبقيت لك الشعر الذي علمتك صناعته أعطيتهم مايفنى وأعطيتك مايبقى أفلا ترضى به .قال : بلى ياخال.
قدمه أشهر نقاد الشعر الجاهلي على غيره من الجاهليين ولعلك تقتنع بتقديمه إذا وجدت في كفة المعجبين به كبار مشاهير نقاد الشعر الجاهلي وعلى رأسهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين.كما كان عظماء الشعراء أمثال ابنه كعب ، والحطيئة، وجرير، وكثير عزة، والكميت يرونه الأفضل. كما قدمه كبار نقاد الأدب الجاهلي أمثال الأصمعي ،وأبو عبيدة بن المثنى ،وابن سلام الجمحي، والجاحظ.
كانت العرب تسمي قصائد شاعرنا " المحكمات " و " الحوليات" لأن القصيدة الطويلة كانت تمكث عنده عاماً كاملاً بين صناعتها وتنقيحها وعرضها على خلصائه ممن ينقدون الشعر ، ثم يشهرها بعد أن يرضى عنها ؛ ولذلك كان الأصمعي يعتبره من " عبيد الشعر".
- لانطيل عليكم أحبابي شاعرنا هو درة تاج الشعر الجاهلي (زهير بن أبي سُلمى المزني) .
وهو زهير بن ربيعة ( أبو سُلمى) بن رياح من بني عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر. سميت قبيلته مزينة نسبة إلى أم عمرو بن أد وكان اسمها مزينة.
ومع أن أصل زهير من مزينة إلا أنه نشأ في دياربني عبد الله بن غطفان وجيرانهم بني مرة بن ذبيان . ويرجع ذلك إلى أن خصاماً حصل بين أبيه وقومه من مزينة فتركهم ولجأ إلى بني عبدالله بن غطفان وجيرانهم بني مرة من ذبيان بمنطقة الحاجر في نجد، وهناك تزوج أبوه من أخت الشاعر المشهور بشامة بن الغدير ، ثم مات عنها وزهير صغير في السن فتزوجها الشاعر المشهور أوس بن حجر .
وهنا تعرف كيف أصبح شاعرنا أعظم شعراء الجاهلية ؛ فلا عجب في ذلك حين يكون خاله الذي تبناه شاعراً مشهوراً وزوج أمه الذي نشأ عنده شاعراً مشهوراً، وقد عُرف أن زهير حفظ شعرهما وكان راويتهما منذ صغره، ولكن زهيراً لعظمةٍ في نفسه لم يكن ليرضى أن يكون راوية ً للشعر فقط بل ظل يتعلم كيف يصنع الشعر حتى أتقنه واعترف له بالشاعرية خاله وزوج أمه .
انطلق زهير بعد أن عرف بين قبيلته كشاعر ليتكسب بشعره فظل يمدح أسياد قبيلتي ذبيان وغطفان حتى ارتاحت نفسه إلى مدح سيدي ذبيان الحارث بن عوف وهرم بن سنان بعد قصتهما في إيقاف حرب داحس والغبراء والصلح بين قبيلتي عبس وذبيان . وهناك يعجب هرم بن سنان بمدح زهير له ويحلف ألا يمدحه زهير ولايسأله ولايسلم عليه إلا أعطاه ، فيغتني زهير ويظل مختصاً بمدح هرم بن سنان ، ويظل هرم يعطيه ويحميه حتى يصبح سيداً شريفاً في قومه.
وقد كان زهير إلى عظمته الشعرية عفيفاً خلوقاً وقيل أنه كان يتأله ويترفع عن عبادة الأصنام وشرب الخمر ، وقد عرف هذا في شعره. وقد قيل أن زهير لم يتغزل في امرأة إلا إذا كانت زوجة له.
تميز شهر زهير عن كثير من شعراء عصره بالسهولة وجزالة اللفظ والمبالغة في المدح مع ميل إلى إيراد الحكمة في شعره وكل هذا يتضح لنا في معلقته المشهورة التي فضلت على كل المعلقات ولم يدانيها في الدرجة إلا معلقة طرفة بن العبد . ونورد لكم طرفاً من هذه المعلقة الرائعة التي يقول فيها زهير:
|
أَمِنْ أُمِّ أَوْفَى دِمْنَـةٌ لَمْ تَكَلَّـمِ |
|
بِحَـوْمَانَةِ الـدُّرَّاجِ فَالمُتَثَلَّـمِ |
|
وَدَارٌ لَهَـا بِالرَّقْمَتَيْـنِ كَأَنَّهَـا |
|
مَرَاجِيْعُ وَشْمٍ فِي نَوَاشِرِ مِعْصَـمِ |
|
بِهَا العِيْنُ وَالأَرْآمُ يَمْشِينَ خِلْفَـةً |
|
وَأَطْلاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ |
|
وَقَفْتُ بِهَا مِنْ بَعْدِ عِشْرِينَ حِجَّةً |
|
فَـلأيَاً عَرَفْتُ الدَّارَ بَعْدَ تَوَهُّـمِ |
|
فَأَقْسَمْتُ بِالْبَيْتِ الذِّي طَافَ حَوْلَهُ |
|
رِجَـالٌ بَنَوْهُ مِنْ قُرَيْشٍ وَجُرْهُـمِ |
|
يَمِينـاً لَنِعْمَ السَّـيِّدَانِ وُجِدْتُمَـا |
|
عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ سَحِيْلٍ وَمُبْـرَمِ |
|
تَدَارَكْتُـمَا عَبْسًا وَذُبْيَانَ بَعْدَمَـا |
|
تَفَـانَوْا وَدَقُّوا بَيْنَهُمْ عِطْرَ مَنْشَـمِ |
|
وَقَدْ قُلْتُمَا إِنْ نُدْرِكِ السِّلْمَ وَاسِعـاً |
|
بِمَالٍ وَمَعْرُوفٍ مِنَ القَوْلِ نَسْلَـمِ |
|
فَأَصْبَحْتُمَا مِنْهَا عَلَى خَيْرِ مَوْطِـنٍ |
|
بَعِيـدَيْنِ فِيْهَا مِنْ عُقُوقٍ وَمَأْثَـمِ |
|
عَظِيمَيْـنِ فِي عُلْيَا مَعَدٍّ هُدِيْتُمَـا |
|
وَمَنْ يَسْتَبِحْ كَنْزاً مِنَ المَجْدِ يَعْظُـمِ |
|
تُعَفِّـى الكُلُومُ بِالمِئينَ فَأَصْبَحَـتْ |
|
يُنَجِّمُهَـا مَنْ لَيْسَ فِيْهَا بِمُجْـرِمِ |
|
يُنَجِّمُهَـا قَـوْمٌ لِقَـوْمٍ غَرَامَـةً |
|
وَلَـمْ يَهَرِيقُوا بَيْنَهُمْ مِلْءَ مِحْجَـمِ |
|
فَأَصْبَحَ يَجْرِي فِيْهِمُ مِنْ تِلاَدِكُـمْ |
|
مَغَـانِمُ شَتَّـى مِنْ إِفَـالٍ مُزَنَّـمِ |
|
أَلاَ أَبْلِـغِ الأَحْلاَفَ عَنِّى رِسَالَـةً |
|
وَذُبْيَـانَ هَلْ أَقْسَمْتُمُ كُلَّ مُقْسَـمِ |
|
فَـلاَ تَكْتُمُنَّ اللهَ مَا فِي نُفُوسِكُـمْ |
|
لِيَخْفَـى وَمَهْمَـا يُكْتَمِ اللهُ يَعْلَـمِ |
|
يُؤَخَّـرْ فَيُوضَعْ فِي كِتَابٍ فَيُدَّخَـرْ |
|
لِيَـوْمِ الحِسَـابِ أَوْ يُعَجَّلْ فَيُنْقَـمِ |
|
وَمَا الحَـرْبُ إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُـمُ |
|
وَمَا هُـوَ عَنْهَا بِالحَـدِيثِ المُرَجَّـمِ |
|
مَتَـى تَبْعَـثُوهَا تَبْعَـثُوهَا ذَمِيْمَـةً |
|
وَتَضْـرَ إِذَا ضَرَّيْتُمُـوهَا فَتَضْـرَمِ |
|
فَتَعْـرُكُكُمْ عَرْكَ الرَّحَى بِثِفَالِهَـا |
|
وَتَلْقَـحْ كِشَـافاً ثُمَّ تُنْتَجْ فَتُتْئِـمِ |
|
فَتُنْتِـجْ لَكُمْ غِلْمَانَ أَشْأَمَ كُلُّهُـمْ |
|
كَأَحْمَـرِ عَادٍ ثُمَّ تُرْضِـعْ فَتَفْطِـمِ |
|
فَتُغْـلِلْ لَكُمْ مَا لاَ تُغِـلُّ لأَهْلِهَـا |
|
قُـرَىً بِالْعِـرَاقِ مِنْ قَفِيْزٍ وَدِرْهَـمِ |
|
لَعَمْـرِي لَنِعْمَ الحَـيِّ جَرَّ عَلَيْهِـمُ |
|
بِمَا لاَ يُؤَاتِيْهِم حُصَيْنُ بْنُ ضَمْضَـمِ |
|
وَكَانَ طَوَى كَشْحاً عَلَى مُسْتَكِنَّـةٍ |
|
فَـلاَ هُـوَ أَبْـدَاهَا وَلَمْ يَتَقَـدَّمِ |
|
وَقَـالَ سَأَقْضِي حَاجَتِي ثُمَّ أَتَّقِـي |
|
عَـدُوِّي بِأَلْفٍ مِنْ وَرَائِيَ مُلْجَـمِ |
|
فَشَـدَّ فَلَمْ يُفْـزِعْ بُيُـوتاً كَثِيـرَةً |
|
لَدَى حَيْثُ أَلْقَتْ رَحْلَهَا أُمُّ قَشْعَـمِ |
|
لَدَى أَسَدٍ شَاكِي السِلاحِ مُقَـذَّفٍ |
|
لَـهُ لِبَـدٌ أَظْفَـارُهُ لَـمْ تُقَلَّــمِ |
|
جَـريءٍ مَتَى يُظْلَمْ يُعَاقَبْ بِظُلْمِـهِ |
|
سَرِيْعـاً وَإِلاَّ يُبْدِ بِالظُّلْـمِ يَظْلِـمِ |
|
سَئِمْـتُ تَكَالِيْفَ الحَيَاةِ وَمَنْ يَعِـشُ |
|
ثَمَانِيـنَ حَـوْلاً لا أَبَا لَكَ يَسْـأَمِ |
|
وأَعْلـَمُ مَا فِي الْيَوْمِ وَالأَمْسِ قَبْلَـهُ |
|
وَلكِنَّنِـي عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَـمِ |
|
رَأَيْتُ المَنَايَا خَبْطَ عَشْوَاءَ مَنْ تُصِبْ |
|
تُمِـتْهُ وَمَنْ تُخْطِىء يُعَمَّـرْ فَيَهْـرَمِ |
|
وَمَنْ لَمْ يُصَـانِعْ فِي أُمُـورٍ كَثِيـرَةٍ |
|
يُضَـرَّسْ بِأَنْيَـابٍ وَيُوْطَأ بِمَنْسِـمِ |
|
وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْروفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ |
|
يَفِـرْهُ وَمَنْ لا يَتَّقِ الشَّتْـمَ يُشْتَـمِ |
|
وَمَنْ يَكُ ذَا فَضْـلٍ فَيَبْخَلْ بِفَضْلِـهِ |
|
عَلَى قَوْمِهِ يُسْتَغْـنَ عَنْـهُ وَيُذْمَـمِ |
|
وَمَنْ يُوْفِ لا يُذْمَمْ وَمَنْ يُهْدَ قَلْبُـهُ |
|
إِلَـى مُطْمَئِـنِّ البِرِّ لا يَتَجَمْجَـمِ |
|
وَمَنْ هَابَ أَسْـبَابَ المَنَايَا يَنَلْنَـهُ |
|
وَإِنْ يَرْقَ أَسْـبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّـمِ |
|
وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْرُوفَ فِي غَيْرِ أَهْلِـهِ |
|
يَكُـنْ حَمْـدُهُ ذَماً عَلَيْهِ وَيَنْـدَمِ |
|
وَمَنْ يَعْصِ أَطْـرَافَ الزُّجَاجِ فَإِنَّـهُ |
|
يُطِيـعُ العَوَالِي رُكِّبَتْ كُلَّ لَهْـذَمِ |
|
وَمَنْ لَمْ يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلاحِـهِ |
|
يُهَـدَّمْ وَمَنْ لا يَظْلِمْ النَّاسَ يُظْلَـمِ |
|
وَمَنْ يَغْتَرِبْ يَحْسَبْ عَدُواً صَدِيقَـهُ |
|
وَمَنْ لَم يُكَـرِّمْ نَفْسَـهُ لَم يُكَـرَّمِ |
|
وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مَنْ خَلِيقَـةٍ |
|
وَإِنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَـمِ |
|
وَكَاءٍ تَرَى مِنْ صَامِتٍ لَكَ مُعْجِـبٍ |
|
زِيَـادَتُهُ أَو نَقْصُـهُ فِـي التَّكَلُّـمِ |
|
لِسَانُ الفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُـؤَادُهُ |
|
فَلَمْ يَبْـقَ إَلا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالـدَّمِ |
|
وَإَنَّ سَفَاهَ الشَّـيْخِ لا حِلْمَ بَعْـدَهُ |
|
وَإِنَّ الفَتَـى بَعْدَ السَّفَاهَةِ يَحْلُـمِ |
|
سَألْنَـا فَأَعْطَيْتُـمْ وَعُدنا فَعُدْتُـمُ |
|
وَمَنْ أَكْـثَرَ التّسْآلَ يَوْماً سَيُحْـرَمِ |
مختارات من شعر زهير:
-عاش زهير بن أبي سلمى بالشعر وللشعر فقد جعل من الشعر عمله وتسليته ووضع كل مجهوده فيه فقد قيل أنه كان يقضي أكثر ساعات يومه وأكثر أيام سنته وهو يبدع الأبيات وينقحها ولم يخذله الشعر أبداً فقد أهدى له شعره المال والسؤدد فقد كانت تأتيه العطايا والجوائز لمدائحه وكانت الأسياد قبل العامة يهابونه خوفاً من شعره وهجائه وقد يقال ولماذا يخافه الأسياد وهو في إمكانهم أن يقتلوه ،فأقول إنهم كانوا يتحاشون أن تحقد عليهم العرب فمن يقتل أحداً من العامة ليس كمن يقتل شاعراً،كما يخافون من أولئك الأسياد الذين يمدحهم زهير أن يغضبوا عليهم ؛ولعل البعض لازال إلى اليوم عندما يعلم أن عمرو بن هند قتل طرفة بن العبد الشاعر المشهور يحقد عليه ويقول قاتله الله إذ حرمنا من هذا الشاعر.
وقد جعل زهير الشعر سبباً من أسباب رزقه فأخذ يمدح أسياد قبيلته وأشرافهم وهم يكرمونه ويعطونه مايرون أن شعره يستحقه .وطبعاً أعزائي كلنا يعلم أن هرم بن سنان مهما أعطى زهيراً من مال فإن ماله لايعادل قيمة شعر زهير،وقد قال عمر بن الخطاب هذا لأحد أبناء هرم عندما قال له عمر :لقد كان زهير يحسن فيكم المدح.قال ابن هرم: وكنا نحسن له العطاء.فقال عمر: لكنكم ألبستموه ثياباً تبلى وألبسكم ثياباً لاتبلى مدى الدهر.
- ظل زهير يمدح هرم بن سنان، وظل هرم يعطيه بل وجعل هباته له على طول حياته وقال: والله لأعطين زهيراً كلما زارني أو مدحني أو حيَّاني ماحييت، فأعطى زهيراً حتى استحى زهير منه ، وحتى كان زهير يمر على القوم وفيهم هرم فيقول: عموا صباحاً غير هرم وخيركم استثنيت.
و شريف مثل هرم يعطي دون أن يستجديه الناس يستحق أن تقال فيه أعظم القصائد، ومن ذلك قول زهير:
|
لأرْتَحِلَنْ بالفَجْرِ ثمّ لأدأبَنْ |
إلى اللَّيْلِ إلاّ أنْ يُعْرّجَني طِفْلُ |
|
إلى مَعشَرٍ لم يُورِثِ اللّؤمَ جَدُّهُمْ |
أصاغرهُم، وكلُّ فحلٍ لهُ نجلُ |
|
إذا فَزِعُوا طاروا، إلى مُستغيثِهم، |
طِوالَ الرماحِ، لا قصارٌ ولاعُزلُ |
|
بِخَيْلٍ، عليها جِنَّة ٌ، عَبْقرِيَّة ٌ |
جَديرونَ يَوْماً أن يَنالُوا فيَستَعلُوا |
|
وإنْ يُقْتَلُوا فيُشْتَفَى بدِمائِهِمْ |
وكانُوا قَديماً مِنْ مَنَاياهُمُ القَتلُ |
|
عَلَيها أُسُودٌ ضارِياتٌ لَبُوسُهُمْ |
سوابغُ بِيِضٌ، لا يُخَرِّقُها النبلُ |
|
إذا لَقِحَتْ حَرْبٌ عَوَانٌ مُضِرّة ٌ |
ضَرُوسٌ تُهِرُّ الناسَ أنيابها عصلُ |
|
تَجِدْهُمْ على ما خَيّلَتْ همْ إزاءها |
وَإنْ أفسَدَ المالَ الجَماعاتُ والأزْلُ |
|
يَحُشُّونَها، بالمَشْرَفِيَّة ِ، والقنا |
وَفِتيانِ صِدْقٍ لا ضِعافٌ ولا نُكلُ |
|
تِهامونَ نَجْدِيُّونَ كَيْداً ونُجعَة ً |
لكُلّ أُناسٍ مِنْ وَقائِعهمْ سَجْلُ |
|
وفيهمْ مَقاماتٌ، حِسَانٌ وجوهها |
وأنْدِيَة ٌ، ينتابها القولُ، والفعلُ |
|
وإنْ جئتهم أَلْفَيْتَ حولَ بيوتهم، |
مجَالسَ قد يُشفَى بأحلامِها الجَهلُ |
|
وإنْ قامَ فيهِمْ حامِلٌ قال قاعِدٌ: |
رَشَدْتَ فلا غُرْمٌ عليكَ وَلا خَذْلُ |
|
على مُكْثِرِيهم حَقُّ من يعتريهمُ |
وعندَ المُقِلِّينَ السَّماحَة ُ، والبَذْلُ |
|
سعى بعدهم قومٌ، لكي يدركوهمُ |
فلَمْ يَفعَلُوا ولم يُليموا ولم يألُوا |
|
فما كانَ، من خيرٍ، أتوه فإنَّما |
تَوَارَثَه ُ آبَاءُ آبَائِهِمْ قَبْلُ |
|
وهَلْ يُنْبِتُ الخَطِّيَّ إلاَّ وشِيجُهُ |
وتُغرَسُ، إلاّ في مَنابِتِها، النّخْلُ |
- وظل زهير يمدح هرماً وعائلته ، وظلوا يكرمونه . وقد امتلأ ديوان زهير بالقصائد الجياد في مدحهم .ولاعجب في شغف زهير بمدح هرم فهرم هذا لمن لايعرفه هو الذي ساهم في الصلح بين قبيلتي عبس وذبيان وإنهاء حربهم التي عرفت باسم"داحس والغبراء" وغرم من ماله آلاف النياق للصلح بينهم حتى كاد أن يفنى ماله لولا مساعدة الحارث بن عوف له . ومن مدائح زهير التي أثنت عليها كتب الأدب قصيدة له ابتدأها متغزلاً كعادته وعادة شعراء عصره، ولكن لعفة فيه كان لايتغزل إلا بزوجة من زوجاته. ومن قصيدته الرائعة هذه نذكر قوله:
|
إنّ الخليطَ أجدَّ البينَ، فانفرقا |
وَعُلّقَ القلبُ مِنْ أسماءَ ما عَلِقَا |
|
وفارَقَتْكَ برَهْنٍ لا فَكاكَ لَهُ |
يوْمَ الوداعِ فأمسَى الرّهنُ قد غَلِقَا |
|
وأخلفتكَ ابنة ُ البَكْرِيِّ ما وعدتْ |
فأصْبَحَ الحَبْلُ مِنْها واهِناً خَلَقَا |
|
قامت تَبَدَّى بذي ضالِ لتَحْزُنَنِي |
ولا محالة َ أنْ يشتاقَ من عَشِقَا |
|
بِجِيدِ مُغْزِلَة ٍ أدْماءَ خاذِلَة ٍ |
من الظباءِ، تراعِي شادناً، خرِقا |
|
كأنّ رِيقَتَها بعدَ الكرَى اغتُبِقَتْ |
مِنْ طَيّبِ الرّاحِ لمّا يَعْدُ أن عَتُقَا |
|
بلِ اذكُرَنْ خيرَ قَيسٍ كلّها حَسَباً |
وخَيرَها نائِلاً وخَيرَها خُلُقَا |
|
قد جَعَلَ المُبتَغونَ الخَيرَ في هَرِمٍ |
والسائلونَ، إلى أبوابهِ، طُرُقا |
|
يطلبُ شأوَ امرأَينِ، قدَّما حَسَناً |
نالا الملوكَ، وبذّا هذهِ السوقا |
|
|
|
|
أغرُّ أبيضُ، فياضٌ، يُفَكِّكُ عن |
أيدي العُناة ِ وعَنْ أعْناقِها الرِّبَقَا |
|
إنْ تَلْقَ يَوْماً على عِلاّتِهِ هَرِماً |
يلقَ السماحة َ منهُ، والندَى خلُقا |
|
وليسَ مانع ذي قربَى ، ولا نسبٍ |
يوماً، ولا معدماً من خابطٍ، ورقا |
|
لَيْثٌ بعَثّرَ يَصطادُ الرّجالَ إذا |
ما كَذّبَ اللّيْثُ عَنْ أقرانِهِ صَدقَا |
|
يَطعَنْهُمُ ما ارْتَمَوْا حتى إذا اطّعَنوا |
ضارَبَ حتى إذا ما ضارَبُوا اعتَنَقَا |
|
هذا وَلَيسَ كمَنْ يَعْيَا بخُطّتِهِ |
وَسْطَ النّديّ إذا ما ناطِقٌ نَطَقَا |
|
لو نالَ حيٌّ، منَ الدنيا، بمكرمة ٍ |
وَسطَ السّماءِ لَنالَتْ كَفُّه الأفُقَا |
- ومع أن أكثر قصائد زهير في مدح هرم إلا أن له قصائد في مدح بعض الأشراف الآخرين ، ولكن زهير كما عرف عنه لم يكن يمدح إلا سيداً يستحق المدح ولايمدحه إلا بما فيه. ومع بعض المبالغة التي تظهر في مدح زهير إلا أن الدارس للأدب يرى أن ممدوحي زهير كانوا هم صفوة الصفوة في قومهم بل وفي العرب . ونأخذ مثالاً لذلك حصن بن حذيفة بن بدر سيد ذبيان بل وكانت تخضع له أسد وغطفان الذي لم تخضع هذه القبلتين تحت سيادته لأي ملك على عكس غيرها من قبائل العرب.بل وحتى حين قامت الحرب بين عبس وذبيان اللذان هما فرع من غطفان وضعفت غطفان لم يخضع حصن لعمرو بن هند الذي طمع في ضعف حصن حينها وهدده فقال له حصن : "إن كنت ياعمرو لايكفيك ماجرب أبوك من حربنا ،فدونك لاتعتلل؛فإنه ليس لي حصن إلا السيوف والرماح وأنا لك بالفضاء". وهنالك هابه عمرو بن هند ولم يعد لتهديده . وهنالك أعجب زهير بحصن بن حذيفة ،فقال يمدحه في قصيدة بدأها متغزلاً، ومنها:
|
صَحا القَلبُ عن سلمى وأقصرَ باطِلُهْ |
وَعُرّيَ أفْرَاسُ الصِّبَا وَرَوَاحِلُهْ |
|
وقالَ العَذارَى : إنّما أنتَ عَمُّنا، |
وكانَ الشّبابُ كالخَليطِ نُزَايِلُهْ |
|
وأبيَضَ فَيّاضٍ يَداهُ غَمَامَة ٌ |
على معتفيهِ، ما تغبُّ نوافلهْ |
|
بَكَرْتُ عَلَيْهِ غُدْوَة ً فَرَأيْتُهُ |
قُعُوداً لَدَيْهِ بالصّريمِ عَوَاذِلُهْ |
|
يُفَدّينَهُ طَوْراً وطَوْراً يَلُمْنَهُ |
وَأعْيا فَما يَدْرِينَ أينَ مَخاتِلُهْ |
|
فأقْصَرْنَ مِنْهُ عَنْ كَريمٍ مُرَزّإٍ |
عَزُومٍ على الأمْرِ الذي هوَ فاعِلُهْ |
|
أخي ثقة ٍ، لا تُهْلكُ الخمرُ مالهُ |
ولكنَّه قد يُهْلكُ المالَ نائلهْ |
|
تراهُ، إذا ما جئتهُ، مُتَهَلِّلاً |
كأنَّكَ تُعْطِيهِ الذي، أنتَ سائلهْ |
|
وذي نِعْمَة ٍ تَمّمْتَها وشكَرْتَها |
وخَصْمٍ، يكادُ يغلبُ الحقَّ باطلهْ |
|
دَفَعْتَ بمَعرُوفٍ منَ القوْلِ صائبٍ |
إذا ما أضلَّ، القائلينَ، مفاصلهْ |
|
وذي خَطَلٍ في القوْلِ يحسبُ أنّهُ |
مصيبٌ فما يلممْ بهِ فهوَ قائلهْ |
|
عبأت لهُ حلماً وأكرمت غيرهُ |
وأعرضتُ عنهُ، وهوَ بادٍ مقاتلهْ |
- وله قصيدة في مدح هرم قال أحد الأدباء عنها: لو كانت في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم لنالت ماتستحقه من تقدير وفيها يقول:
|
دَعْ ذا، وعدِّ القولَ في هرمٍ |
خَيرِ البُداة ِ وسَيّدِ الحَضْرِ |
|
وَلَنِعْمَ حَشْوُ الدّرْعِ أنْتَ إذا |
دُعِيَتْ: نَزَالِ، وَلُجَّ في الذُّعْرِ |
|
حامي الذّمارِ على مُحافَظَة ِ |
الجُلّى أمِينُ مُغَيَّبِ الصّدْرِ |
|
حدبٌ على المولى الضَّرِيكِ، إذا |
نابتْ، عليهِ، نوائبُ الدهرِ |
|
ومُرَهَّقُ النيرانِ، يحمدُ في الـ |
الّلأواءِ غَيرُ مُلَعَّنِ القِدْرِ |
|
وَيَقيكَ ما وَقّى الأكارِمَ مِنْ |
حُوبٍ تُسَبّ بهِ وَمِنْ غَدْرِ |
|
وإذا بَرَزْتَ بهِ بَرَزْتَ إلى |
صَافي الخَليقَة ِ طَيّبِ الخُبْرِ |
|
مُتَصَرّفٍ للمَجْدِ، مُعْتَرِفٍ |
للنائباتِ، يراحُ للذكرِ |
|
جلدٍ، يحثُّ على الجميعِ، إذا |
كرهَ الظنونُ جوامعَ الأمرِ |
|
ولأنتَ تفري ما خلفتَ، وبعـ |
ـضُ القومِ يخلقُ، ثمَّ لا يفري |
|
ولأنتَ أشجعُ، حينَ تتجهُ الـ |
أبطالُ، من ليثٍ، أبي أجرِ |
|
وَرْدٌ عُراضُ السّاعدينِ حَديدُ |
ـدِ النابِ، بين ضراغمٍ، غثرِ |
|
السترُ دونَ الفاحشاتِ، وما |
يلقاكَ، دونَ الخير، من سترِ |
لو كُنتَ من شيءٍ سوى بشرٍ كُنتَ المُنَوِّر ليلة البدرِ
- ومع أن زهير كما ذكرنا كان خلوقاً عفيفاً لم يعرف أنه تغزل إلا في زوجته ، إلا أنه كان إذا غضب خطيراً مخيفاً ، فقد ذكرت كتب الأدب أن قوماً فيهم الحارث بن ورقاء غزوا قومه وأصابوا إبله وراع ٍ له اسمه يسار. فطلب زهير في قصيدة له أن يعيدوها فلم يفعلوا فهجاهم بقصيدة نزل فيها إلى مستوى غير متوقع منه حتى أن بعض الأدباء نفاها عنه ، وفيها اتهم زهير نساء هذه القبيلة بالزنا مع عبده بل والشغف بذلك وظل يصف ذلك وصفاً قبيحاً يترفع عنه أرذل الشعراء، بل والله اختر من شئت ممن ترى أنه أحقر الشعراء ستجد أن هذه القصيدة لاتليق به. ومن العجيب أن الحارث عندما سمع هذه القصيدة في هجاء قومه لم يقتل العبد ويستحل إبل زهير كما أمره قومه -وحسناً فعل - بل كسا العبد وأعاده مع الإبل إلى زهير، فندم زهير على هجائه لهم وعاد فمدحهم في أكثر من قصيدة.
- ولزهير قصيدة يعاتب فيها قوماً أهانوا جارهم وتعدوا على بعض ماله نذكر لكم أبياتاً جميلة منها قوله:
|
عَفَا مِنْ آلِ فاطِمة َ الجِواءُ |
فَيُمْنٌ فالقَوَادِمُ فالحِسَاءُ |
|
لقَد طالَبتُها، ولكُلّ شيءٍ |
وإنْ طالَتْ لَجاجَتُهُ انْتِهاءُ |
|
تَنَازَعَها المَهَا شَبَهاً وَدُرُّ |
النّحُورِ، وشاكَهَتْ فيهِ الظّباءُ |
|
فأمّا ما فويقَ العقدِ، منها، |
فمن أدماءَ، مرتعُها الخلاءُ |
|
وَأمّا المُقْلَتَانِ فمِنْ مَهَاة ٍ |
وللدرِّ الملاحة ُ، والنقاءُ |
|
وقد أغْدو على ثُبَة ٍ كِرامٍ |
نشاوَى ، واجدينَ لما نشاءُ |
|
لهم راحٌ، وراووقٌ، ومسكٌ |
فلَيسَ لِما تَدِبّ لَهُ خَفَاءُ |
|
تَمَشَّى بَينَ قَتلى قَدْ أُصِيبَتْ |
نفوسهمُ، ولم تقطرْ دماءُ |
|
يجرونَ البرود، وقد تمشتْ |
حميّا الكأسِ، فيهمْ، والغناءُ |
|
وأما أنْ يقولَ بنو مصادٍ: |
إليكمْ، إننا قومٌ، براءُ |
|
وإمّا أن يقولوا: قد أبينا |
فَشَرُّ مَوَاطِنِ الحَسَبِ الإبَاءُ |
|
وإمّا أنْ يقولوا: قد وفينا |
بذِمّتِنَا فَعادَتُنَا الوَفَاءُ |
|
فإنَّ الحقَّ مقطعهُ ثلاثٌ: |
يمينٌ، أو نفارٌ، أو جلاءُ |
|
فلا مستكرهونَ، لما منعتمْ |
وَلا تُعطُونَ إلاّ أنْ تَشَاؤوا |
- وله قصيدة جميلة في مدح هرم بن سنان نذكر طرفاً منها وفيها يقول في هَرِم:
|
ألَيسَ بِضرّابِ الكُماة ِ بسَيفِهِ |
وفَكّاكِ أغْلالِ الأسِيرِ المُقَيَّدِ |
|
كلَيْثٍ أبي شِبْلَينِ يَحمي عَرينَهُ، |
إذا هو لاقى نجدة ً لم يعردِ |
|
ومدرهُ حربٍ، حميها يتقى بهِ |
شَديدُ الرِّجامِ باللّسَانِ وباليَدِ |
|
وثقلٌ على الأعداءِ، لا يضعونهُ |
وحمالُ أثقالٍ، ومأوى المطردِ |
|
ألَيسَ بفَيّاضٍ يَداهُ غَمَامَة ً، |
ثِمَالِ اليَتَامَى في السّنينَ مُحمّدِ |
|
إذا ابتدرتْ قيسُ بنُ عيلانَ غاية ً |
منَ المجدِ مَن يَسبِقْ إليها يُسوَّدِ |
|
سَبَقْتَ إلَيها كُلّ طَلْقٍ مُبَرِّزٍ |
سَبُوقٍ إلى الغاياتِ غَيرِ مُجَلَّدِ |
| فلو كانَ حمدٌ يخلدُ الناسَ لم يمتْ | ولكنَّ حمدَ الناسِ ليسَ بمخلدِ |
- ولانستطيع أن ننهي الموضوع دون أن نتطرق إلى تلك القصيدة التي وقع فيها خلاف أدبي بين بعض النقاد الذين يقولون أنها لزهير وعلى رأسهم نقاد الكوفة، وبين من ينفيها عن زهير فمنهم من نسبها إلى شاعر بعينه مثل الأصمعي شيخ رواة ونقاد البصرة الذي قال أنها ليست لزهير بل هي لصرمة بن أنس الأنصاري ، ومنهم من قال لتكن لمن كانت المهم أن زهيراً لايمكن أن يكون قائلها، والسبب في نفيها عن زهير أن بها روحاً إسلامية قوية لايمكن أن يتلبس بها شاعر جاهلي مهما ذكر عنه من تأله أو اتباع لأهل الكتاب . ونذكر لكم طرفاً منها ولكم الحكم من بعد ذلك فإن كان بها روحٌ إسلامية لاتكون إلا لإسلامي فهي فعلا ً ليست لزهير، ومنها قوله:
| ألا ليت شعري: هل يرى الناسُ ما أرى | من الأمْرِ أوْ يَبدو لهمْ ما بَدا لِيَا؟ |
| بَدا ليَ أنَ النّاسَ تَفنى نُفُوسُهُمْ | وأموالهمْ، ولا أرَى الدهرَ فانيا |
| وإنِّي متى أهبطْ من الأرضِ تلعة ً | أجدْ أثراً قبلي جديداً وعافيا |
| أراني، إذا ما بتُّ بتُّ على هوًى | فثمَّ إذا أصبحتُ أصبحتُ غاديا |
| إلى حُفْرَة ٍ أُهْدَى إليْها مُقِيمَة ٍ | يَحُثّ إليها سائِقٌ من وَرَائِيا |
| كأني، وقد خلفتُ تسعينَ حجة ً، | خلعتُ بها، عن منكبيَّ، ردائيا |
| بَدا ليَ أنّ اللَّهَ حَقٌّ فَزادَني | إلى الحَقّ تَقوَى اللَّهِ ما كانَ بادِيَا |
| بدا ليَ أني لَستُ مُدْرِكَ ما مَضَى | ولا سابِقاً شَيْئاً إذا كان جائِيَا |
| وما إن أرى نفسي تقيها كريمتي | وما إن تقي نفسي كريمة َ ماليا |
| ألا لا أرى على الحَوَادثِ باقِياً | ولا خالِداً إلاّ الجِبالَ الرّواسِيَا |
| وإلاّ السّماءَ والبِلادَ وَرَبَّنَا | وأيّامَنَا مَعْدُودَة ً واللّيالِيَا |
| أراني إذا ما شئتُ لاقيتُ آية ً | تذكرني بعضَ الذي كنتُ ناسيا |
| ألم ترَ أنَّ الله أهلكَ تبعاً | وأهلكَ لقمانَ بنَ عادٍ، وعاديا |
زهير ومدرسة صناعة الشعر:
ذكر رواة الأدب أن زهيراً أول من عرف من الشعراء بصناعة الشعر . وصناعة الشعر هي أن يمكث الشاعر يصنع قصيدته وينقحها لأيام وشهور طويلة ،فيظل يقول عدداً من الأبيات ثم ينقحها ويزيد فيها وينقص، ثم يزيد عليها عدداً من الأبيات، ثم ينقحها ويركبها مع الأبيات الأخرى ، حتى إذا اكتملت القصيدة ظل ينقحها ويعرضها على بعض معارفه المخصوصين ويأخذ رأيهم فيها، حتى إذا رضي عن قصيدته عرضها على الناس في أسواق العرب ومنتدياتهم . وكان العرب يسمون مثل هذه القصائد التي يصنعها زهير" الحوليات " لأن القصيدة منها كانت تمكث عند زهير حولاً-أي عاماً- كاملاً، وكانوا يسمونها "المحكمات" لأنه كان يُحكم نسجها فلاتجد فيها عيباً إلا فيما ندر. وكان الأصمعي يسمي زهيراً ومن يحكم شعره مثل زهير كان يسميهم " عبيد الشعر ". ومايزيدك إعجاباً بزهير ويجعلك تجعله رائداً لمدرسة صناعة الشعر أنه اخترع طريقة ليجعل بها من يتصل به شاعراً . فكان من يريد أن يتعلم صياغة الشعر من زهير يفرض عليه زهير حفظ عدد كبير من الأبيات لشعراء عصره المعروفين ،حتى إذا حفظ المتعلم لدى زهير عدداً كبيراً من الأبيات أخذه زهير معه إلى الصحراء ليقدح قريحته الشعرية ثم ذكر للمتعلم نصف بيت ثم قال له " أجز" أي أكمل البيت حتى إذا أكمله رمى له نصف بيتٍ آخر حتى إذا أكمل عدداً من الأبيات طلب منه زهير أن يكمل القصيدة ،فإذا أكملها طلب منه أن يصنع قصيدة وأخرى إلى أن يرضى زهير عن إحدى قصائد هذا المتعلم ، وحينها يقول له: " اذهب فأنت شاعر". وعرف ممن علمه زهير بهذه الطريقة أشعر شعراء العصر الإسلامي على الإطلاق وهما : ابن زهير كعب ، والحطيئة. كما كان منهم ابن زهير الآخر بجير. ولانعلم بعد كم عدد الشعراء الذين درسوا في مدرسة زهير. ولكن الذي نعرفه أن مدرسته امتدت لأجيال عديدة فزهير علم كعباً والحطيئة، والحطيئة علَّم هدبة بن الخشرم، وهدبة علَّم جميل بثينة، وجميل علَّم كثير عزة. ولكم أن تتأملوا هؤلاء الشعراء الذين تخرجوا من مدرسة صناعة الشعر فلقد كانوا أشعر شعراء عصرهم، إذن فلقد كان لزهير فضلٌ كبير على شعر العرب فلقد خرجت لنا مدرسته أجمل دوواين العرب في العصرين الجاهلي والإسلامي؛ ولذلك قسماً بالله أقولها غير حانث إن زهيراً في وجهة نظري هو أعظم شخص كان له بعد الله الفضل في تطور الشعر العربي.








