أفكار وأشعار
ثقافية أدبية فكرية
روائع قيس بن الخطيم

شاعرنا اليوم شاعر فارس  ثائر بطل بنى حياته على البطولة ، وعاش معانقاً لها منذ أن عانق سنوات الفتوة حتى قتله أعداؤه الذين عانوا من بطولته الويلات،بطل يحمل كامل الصورة النمطية للبطل في خيالات الشباب والفتيات فهو جسيم وسيم قوي البنية شجاع القلب، وفوق كل ذلك فهو ذو أخلاق رائعة وحكمة فائقة وقلب شاعري شفاف اجتمعت إليه ثقافة شعرية عالية فأثمر عدداً من روائع الشعر العربي ، بطلنا الشاعر إخوتي هو قيس بن الخَطـِيم بن عدي بن عمرو بن سواد بن ظفر من بني الأوس بن حارثة إحدى أهم قبائل يثرب(المدينة المنورة)، عرف بأنه كان أشجع شجعان قومه وأحد قادتهم في نهاية حرب بعاث التي مالت فيها الكفة في النهاية لصالح الأوس ، وكان قيس بن الخطيم قد أبلى بلاء حسناً في حرب بعاث وقتل عدداً غير قليل من فرسان وأبطال الخزرج المعدودين ماجعل الخزرج لاينسون نكايته فيهم ، ولم يهدأ لهم بال حتى اغتالوه في نهاية حرب بعاث. وطبعاً على عادة فرسان العرب وأبطالهم كان قيس على خلق رائع وقد كان يفتخر بأخلاقه في شعره، كما كان قيس جميلاً وقال عنه بعض من وصفوه أنه مارأته فتاة إلا سلب عقلها.
 وفوق بطولة قيس المشهورة فقد كان شاعراً لايشق له غبار وكان بينه وبين حسان بن ثابت  شاعر الخزرج منافسات ومساجلات شعرية كان قوم الشاعرين يعلمونها غلمانهم ويجعلونهم يحفظونها لأن فيها مآثرهم وبطولاتهم.
 
 قصة انتقامه لمقتل أبيه وجده:
  عاش قيس يتيماً لايعرف سبب موت أبيه وكانت أمه تحاول أن تكتم عنه خبر مقتل أبيه خوفاً منها أن يُقتل وهو يسعى في ثأر أبيه كما قُتل أبوه وهو يسعى للثأر لجده، وكان قاتل جد قيس من بني عمرو بن ربيعة، وقاتل الخطيم من بني عبد القيس من بني بكر الذين يسكنون هجر، ولمن لايعرف هجر فهي الأحساء التي تبعد عن المدينة المنورة مسافة تقارب الألف وخمسمئة كيلومتر وبينهما صحاري وجبال وأهوال ، وإذن فأم قيس حتى لو كانت تثق في قوة ولدها وبطولته فهي تخاف أن يموت في غمار هذه الأهوال والصحاري. ويقال أن أم قيس لما خشيت أن يخرج ابنها للثأر من قتلة أبيه وجده عمدت إلى كومة تراب عند باب دارهم ، فوضعت عليها أحجاراً، وجعلت تقول لابنها : هذا قبر أبيك وجدِّك. فكان قيس لايشك في كلام أمه. ونشأ قيس قوي البنية شديد الساعدين، فكان يصارع فتيان قومه ويغلبهم إلى أن غضب منه أحدهم فقال له: والله لو جعلت شِدَّة ساعديك على قتلة أبيك وجدِّك لكان خيراً لك من أن تُخرجها علينا. فقال قيس : ومن قتل أبي وجدي؟ فقال الفتى: سل أمك تخبرك.
فذهب قيس من فوره إلى أمه غاضباً  وقال لها: كيف مات أبي وجدي؟ فقالت : ماتا كما يموت الناس. فوضع سيفه على صدره وقال لها: لئن لم تخبرينني من قتلهما لأقتلن نفسي . فقالت: أمَّا جدُّك فقتله رجل من بني عمرو بن عامر بن ربيعة يقال له " مالك " ، وأمَّا أبوك فقتله رجل من عبد القيس ممن يسكن هجر. فقال : والله لاأرتاح ولاترين وجهي حتى أقتل قاتلي أبي وجدي. فقالت : يابني مادام الأمر على ذلك فإن مالكاً قاتل جدك من قوم خداش بن زهير ، ولأبيك عند خداش نعمة ٌ هو لها شاكر، فأته فاستشره في أمرك، واستعنه يُعِنك .
 فخرج قيس من ساعته وأخذ جمله وحمل عليه حملين من التمر ، ثم نادى في قومه وقال: من يكفيني أمر أمي العجوز ؟ فإن مِتُّ أنفق عليها من هذا الحائط(البستان) حتى تموت ثم هو له، وإن عشت فمالي عائدٌ إليَّ ، وله ماشاء أن يأكل من تمره.  فقال رجل من قوم قيس : أنا أكفيك ، فأعطاه البستان. ثم خرج يسأل عن خداش بن زهير حتى دُلَّ عليه في وادٍ قرب مكة فذهب قيس إلى خيمة خداش فلم يجده، فنزل تحت شجره ينزل تحتها أضياف خداش ، ثم نادى امرأة خداش وقال لها: هل من طعام؟ فقالت: والله ماعندنا إلا تمر . فقال: أخرجيه لي.
 فأرسلت إليه إناءً فيه تمرة فأخذ منه تمر وقسمها نصفين فأكل النصف وأرجع النصف الباقي في الإناء ، ثم أرجعه لها، وذهب لبعض حاجاته.
 ورجع خداش ، فأخبرته امرأته بأمر خداش وعن مافعله بالتمرة ، فقال لها : هذا رجل له عندنا حرمة وذمة ويريد أن نعينه، وأقبل قيس راجعاً ، فلما رآه خداش ورأى قدميه قال لامرأته: أهذا ضيفنا؟ قالت: نعم . وكان خداش من ذوي الفراسة فقال: كأن قدمه قدم الخطيم والله إن لم أكن مخطئاً فهو ابنه. ثم أقبل قيس وقرع طنب الخيمة بسنان رمحه ، واستأذن، فدخل إلى خداش وعرَّف بنفسه وأخبره بأمره وعزمه على الثأر وأنه يريد من يعينه على ذلك. فرحب به خداش ، وذكر نعمة أبيه عنده، وقال: مازلت أتوقع هذا الأمر منك منذ حين ، فأمًّا قاتل جدِّك فهو من قومي ، وأنا أعينك عليه ، فإذا اجتمعنا في نادينا(مجلسنا) فسأجلس إلى جنبه وأتحدث إليه ، فإذا ضربت فخذه فقم إليه واقتله. وبالفعل حصل ذلك ولما قتل قيس قاتل جده قام عليه القوم ليقتلونه فمنعهم خداش وقال : دعوه فوالله ماقتل إلا قاتل جده.
 ثم دعا خداش بجمل من إبله فركبه ، وانطلق مع قيس ليالي وأياماً حتى إذا اقتربوا من هجر قال خداش لقيس : اذهب فاسأل عن قاتل أبيك، فإذا دُللت عليه اذهب إليه وقل له: "إن لصاً من قومك عارضني فأخذ متاعي ، فسألت من سيد قومه فدلُّوني عليك ، فانطلق معي حتى ترجع لي متاعي". فإن اتبعك وحده فستنال ماتريد منه ، وإن أخرج معه غيره فاضحك وقل له:"إن الشريف عندنا إذا دعي إلى اللص من قومه تكفيه هيبته وسوطه عن سيفه وقومه فإذا رآه اللص أعطاه كل شيء هيبة له". فإن أمر قومه بالرجوع فقد تهيأت الفرصة ، وإن أبى إلا أن يمضوا معه ، فأتني بهم فإني أرجو أن نقتله ومن معه.
  ونزل خداش تحت ظل شجرة ، وفعل قيس ماأشار عليه خداش به، وبالفعل جاء الرجل معه وحده واستطاع قيس أن يقتله ، وعندها قال له خداش: إنا إن مررنا الآن طلبنا قومه ، ولكن ادخل مكاناً قريباً من مقتله فإن قومه لايظنون أنك قتلته وأقمت قريباً منه. وبالفعل خرج القوم فوجدوا سيدهم قتيلاً فخرجوا يطلبون قيساً في كل وجه فلم يجدوه فعادوا يائسين وتركوا البحث فعاد قيس وخداش بعدها إلى قومها سالمين.  وفي تلك القصة قال قيس بن الخطيم إحدى أشهر قصائده المعروفة والتي كانت تقريباً أول مااشتهر من قصائده ، وفيها يقول:
 
 

القصيدة

 
تَذَكَّـرَ لَيلـى حُسنَهـا   وَصَفاءَهـا        وَبانَت فَأَمسى مـا يَنـالُ    لِقاءَهـا
وَمِثلِكِ قَد أَصبَيـتُ لَيسَـت  بِكَنَّـةٍ        وَلا جارَةٍ أَفضَـت إِلَـيَّ   حَياءَهـا
إِذا ما اِصطَحَبتُ أَربَعاً خَطَّ   مِئزَري        وَأَتبَعتُ دَلوي في السَخاءِ رِشاءَهـا
ثَأَرتُ عَدِيّاً وَالخَطيـمَ فَلَـم   أُضِـع        وِلايَـةَ أَشيـاءٍ جُعِلـتُ    إزاءَهـا
ضَرَبتُ بِذي الزِرَّينِ رِبقَـةَ   مالِـكٍ        فَأُبتُ بِنَفسٍ قَـد أَصَبـتُ   شِفاءَهـا
وَسامَحَني فيها اِبنُ عَمروِ بنِ   عامِرٍ        خِـداشٌ فَـأَدّى نِعمَـةً   وَأَفـاءَهـا
طَعَنتُ اِبنَ عَبدِ القَيسِ طَعنَةَ   ثائِـرٍ        لَها نَفَذٌ لَـولا الشُعـاعُ    أَضاءَهـا
مَلَكتُ بِها كَفّـي فَأَنهَـرتُ    فَتقَهـا        يَرى قائِماً مِن خَلفِها مـا   وَراءَهـا
يَهـونُ عَلَـيَّ أَن تَـرُدَّ    جِراحُـهُ        عُيونَ الأَواسي إِذ حَمِدتُ    بَلاءَهـا
وَكُنتُ اِمرِأً لا أَسمَعُ الدَهـرَ   سُبَّـةً        أُسَبُّ بِهـا إِلاَّ كَشَفـتُ    غِطاءَهـا
وَإِنِّيَ في الحَربِ الضَروسِ   مُوَكَّـلٌ        بِإِقدامِ نَفـسٍ مـا أُريـدُ    بَقاءَهـا
إِذا سَقِمَت نَفسي إِلـى ذي   عَـداوَةٍ        فَإِنّي بِنَصلِ السَيفِ بـاغٍ   دَواءَهـا
مَتى يَأتِ هَذا المَوتُ لا تَبقَ    حاجَةٌ        لِنَفسِيَ إِلاَّ قَـد قَضَيـتُ    قَضاءَهـا
وَكانَت شَجاً في الحَلقِ ما لَم أَبُؤ بِها        فَأُبتُ بِنَفسٍ قَـد أُصِبـتُ   دَواءَهـا
وَقَد جَرَّبَت مِنّي لَدى كُـلِّ    مَأقِـطٍ        دُحَيٌّ إِذا ما الحَربُ أَلقَت  رِداءَهـا
وَإِنّا إِذا ما مُمتَرو الحَـربِ   بَلَّحـوا        نُقيـمُ بِأَسبـادِ العَريـنِ   لِـواءَهـا
وَنُلقِحُهـا مَبـسـورَةً ضَرزَنِـيَّـةً        بِأَسيافِنـا حَتّـى نُـذِلُّ    إبـاءَهـا
وَإِنّا مَنَعنـا فـي بُعـاثٍ  نِساءَنـا        وَما مَنَعَت   مِلمُخزِياتِ   نِساءَهـا
 
 
 
   بطولات قيس وشاعريته وقصته مع الإسلام :
 
  لما عاد قيس بن الخطيم من رحلة ثأره واشتهر أمره بين قومه خاصة بعد أن قال قصيدته المشهورة التي افتخر فيها بثأره، أراد قومه من الأوس أن يجربوا بطولته وقوته في معاركهم ضد الخزرج خاصة وأن حرب بعاث كانت في أوجها ، وبالفعل لم يخيب قيس أمل قومه فكان بطلاً في معاركهم، وقد شهد له بالبطولة أعداؤه ، فهذا ثابت بن قيس بن شماس الصحابي الجليل يشهد بذلك أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد قيل أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان في مجلس كله من الخزرج فذكر بيت قيس بن الخطيم الذي يقول فيه:
            أُجالِدُهُـم يَـومَ الحَديقَـةِ    حاسِـراً        كَأَنَّ يَدي بِالسَيفِ مِخـراقُ لاعِـبِ
فتعجب رسول الله من ذلك وقال: أكان فعلاً كذلك؟ فقال ثابت بن قيس بن شماس: نعم يارسول الله، ولقد نزل إلينا ذلك اليوم وكان سابع يوم بعد عرسه فكان كما قال.
  وقد قيل أن الدائرة في الحروب التي بين الأوس والخزرج كانت تؤول غالباً لصالح الخزرج، ولم تنقلب الحال لصالح الأوس حتى برز فيها أبطال مثل حضير الكتائب ، وأبو قيس بن الأسلت ، وفارسنا الشاعر قيس بن الخطيم.
 وكما استنجد الأوس بقيس في معاركهم الحربية فرفع رأسهم ونصرهم الله به على من عاداهم استنجدوا به ليدافع عن أعراضهم بشعره ويُبرز مفاخرهم ، خاصة بعد أن علموا أن الخزرج قد برز فيهم شاعر لايشق له غبار هو حسَّان بن ثابت ، وبالفعل لم يخيب قيس ظنهم هذه المرة أيضاً فبارز حسَّان بن ثابت بالقصائد وساجله ، وانتصر عليه في عدة مرات ، وقد كان أشهر ماقاله في مساجلاته الشعرية مع حسَّان تلك القصيدة التي عدها عدد من نقاد الأدب في عداد أروع قصائد شعراء القرى من الجاهليين مع روائع حسان بن ثابت وأمية بن أبي الصلت الثقفي،وهي التي قالها في ختام حرب بعاث حين انتصروا على الخزرج ، وهي التي يقال أنها كانت أحد أسباب اغتيال الخزرج له فقد تعرض فيها بالهجاء اللاذع للخزرج ، ومنها قوله :
 

القصيدة


 
أَتَعرِفُ رَسماً كَاِطِّـرادِ    المَذاهِـبِ        لَعَمرَةَ وَحشاً غَيرَ مَوقِـفِ   راكِـبِ
دِيارَ الَّتي كادَت وَنَحنُ عَلى    مِنـىً        تَحُلُّ بِنـا لَـولا نَجـاءُ  الرَكائِـبِ
تَبَدَّت لَنا كَالشَمسِ تَحـتَ    غَمامَـةٍ        بَدا حاجِبٌ مِنها وَضَنَّـت   بِحاجِـبِ
وَلَم أَرَهـا إِلّا ثَلاثـاً عَلـى   مِنـىً        وَعَهدي بِها عَـذراءُ ذاتَ    ذَوائِـبِ
وَمِثلُكِ قَد أَصبَيـتُ لَيسَـت  بِكَنَّـةٍ        وَلا جـارَةٍ وَلا حَليلَـةِ   صـاحِـبِ
دَعَوتُ بَني عَوفٍ لِحَقـنِ    دِمائَهُـم        فَلَمّا أَبوا سامَحتُ في حَربِ    حاطِبِ
وَكُنتُ اِمرِأً لا أَبعَثُ الحَربَ    ظالِماً        فَلَمّا أَبَـوا أَشعَلتُهـا كُـلَّ    جانِـبِ
أَرِبتُ بِدَفعِ الحَربِ حَتّـى    رَأَيتُهـا        عَنِ الدَفعِ لا تَزدادُ غَيـرَ    تَقـارُبِ
فَإِذ لَم يَكُن عَن غايَةِ المَوتِ  مَدفَـعٌ        فَأَهلاً بِها إِذ لَم تَزَل في  المَراحِـبِ
فَلَمّا رَأَيتُ الحَربَ حَربـاً   تَجَـرَّدَت        لَبِستُ مَعَ البُردَينِ ثَوبَ    المُحـارِبِ
مُضاعَفَةً يَغشى الأَنامِـلَ    فَضلُهـا        كَـأَنَّ قَتيرَيهـا عُيـونُ  الجَنـادِبِ
أَتَت عَصَبٌ مِنَ الكاهِنَيـنِ   وَمالِـكٍ        وَثَعلَبَةَ الأَثرينَ رَهطِ اِبـنِ  غالِـبِ
رِجالٌ مَتى يُدعَوا إِلى المَوتِ يُرقِلوا        إِلَيهِ كَإِرقـالِ الجِمـالِ   المَصاعِـبِ
إِذا فَزِعوا مَدّوا إِلى اللَيلِ   صارِخـاً        كَمَوجِ الأَتِـيِّ المُزبِـدِ   المُتَراكِـبِ
تَرى قِصَدَ المُـرّانِ تَهـوي كَأَنَّهـا        تَذَرُّعُ خِرصانٍ بِأَيـدي   الشَواطِـبِ
صَبَحنا بِها الآطامَ حَـولَ    مُزاحِـمٍ        قَوانِسُ أولـى بَيضَنـا   كَالكَواكِـبِ
لَوَ أَنَّكَ تُلقي حَنظَلاً فَـوقَ   بَيضِنـا        تَدَحرَجَ عَن ذي سامِـهِ  المُتَقـارِبِ
إِذا ما فَرَرنا كـانَ أَسـوَا   فِرارِنـا        صُدودَ الخُدودِ وَاِزوِرارَ    المَناكِـبِ
صُدودَ الخُـدودِ وَالقَنـا    مُتَشاجِـرٌ        وَلا تَبرَحُ الأَقدامُ عِنـدَ   التَضـارُبِ
إِذا قَصُرَت أَسيافُنا كـانَ    وَصلُهـا        خُطانـا إِلـى أَعدائِنـا   فَنُضـارِبِ
أُجالِدُهُـم يَـومَ الحَديقَـةِ    حاسِـراً        كَأَنَّ يَدي بِالسَيفِ مِخـراقُ   لاعِـبِ
وَيَـومَ بُعـاثٍ أَسلَمَتنـا   سُيوفُـنـا        إِلى نَسَبٍ في جِـذمِ غَسّـانَ   ثاقِـبِ
يُعَرّينَ بيضاً حيـنَ نَلقـى   عَدُوَّنـا        وَيُغمَدنَ حُمراً ناحِلاتِ  المَضـارِبِ
 
 وقد كان لشاعرنا قصة مع الإسلام فقد ظهر خلاف لدى بعض من تعرض لسيرة قيس بن الخطيم في إسلامه فمن قائل أنه أسلم قبل وفاته ومن قائل أنه لم يسلم ، والثابت أن قيساً في كان على عادة بعض العرب يحج إلى بيت الله وذلك مما بقي لدى العرب من ديانة إبراهيم فالتقى في آخر حجاته  بالرسول صلى الله عليه وسلم  في مكة وعرض عليه رسول الله الإسلام ، فقال " إنني أسمع كلاماً عجباً، فدعني أنظر في أمري ثم أعود إليك" ، ولكن قيسا كان يعلم أن قريشاً تعادي الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولعله خاف أن يغضبها فيخسر حلفاءه من العرب فأخذ يفكر في أمره وربما حدثته نفسه بالإسلام بل وربما أسلم ، ولكن الخزرج لم يمهلوه ليقطع أمره فقد اغتالوه قبل أن يحول الحول.
 
 
 
 حرب بعاث ودور قيس فيها :
 
ودعونا ننظر نظرة بسيطة إلى حرب بعاث التي كان شاعرنا من أهم الأشخاص الذين شاركوا فيها، وأول مانقوله عنها أنها لم تكن حرباً مستمرة بل كانت عبارة عن معارك صغيرة وكبيرة تثور لأسباب تافهة أحياناً وقد استمرت لمئة وعشرين سنة تقريباً.
   وأهم مايلفت نظرنا في هذه الحرب هو دور اليهود فيها ، حيث يقال أن اليهود كانوا يحرضون فيها الأوس ضذ الخزرج وكذلك العكس متبعين في ذلك سياسة" فرق تسُد"، وقد عُرف دور اليهود في عدد من المعارك التي قامت بين الأوس والخزرج، ولكن مالسبب الذي  دفع اليهود للتحريش بين الأوس والخزرج؟! يقال أن اليهود كانوا في يثرب قبل الأوس والخزرج ، وأن الأوس والخزرج  كانوا من ضمن القبائل القحطانية التي هاجرت من اليمن بعد انهيار سد مأرب ، واستقر بهم الحال في يثرب التي ناسبتهم ظروفها المناخية والطبيعية ، فسكنوا بجوار اليهود الذين وجدوهم قليلين وضعيفين ، واستفادوا منهم كعمال لديهم لفترة طويلة من الوقت، ولكن هؤلاء العمال بدؤوا يبنون البيوت ويتملكون المزارع وبدأ عددهم يكبر ومشاكلهم تكثر، فبدأ اليهود يتحرشون بالأوس والخزرج ليجلونهم عن يثرب ، ولكن الأوس والخزرج صبروا على هذه التحرشات فترة من الوقت حتى برز فيهم سيد عظيم من أسياد الخزرج اسمه مالك بن العجلان  سلموا إليه أمرهم، فجمعهم مالك ثم استنجد بأبناء عمومته من ملوك الغساسنة ضد اليهود، فأنجده الغساسنة ضد اليهود، وبذلك مالت كفة القوة لصالح الأوس والخزرج ضد اليهود، وهنا لم يبق لدى اليهود طريق للانتصار على الأوس والخزرج سوى التحربش بينهم ليضعف أمرهم، فتحالف فريق من اليهود مع الأوس وفريق آخر مع الخزرج  ، وأخذ من مع الأوس من اليهود يعيبون في مالك بن العجلان ويوحون لهم بأنه ليس كفؤاً ليكون سيداً على الأوس، وبالفعل أغضبوا شخصاً  من الأوس اسمه سمير بن زيد فاعتدى على حليف لمالك بن العجلان وقتله ، فكان ذلك أول الحرب بين الأوس والخزرج وهي "حرب سمير".
 وأشهر ماعرف من دور اليهود في هذه المعارك هو دورهم في "حرب حاطب" حين اعتدى يهودي حليف للخزرج على ذبياني حليف لحاطب بن قيس الأوسي وقامت بعد ذلك عدة معارك كان اليهود يناصرون فيها طرفاً ضد طرف حتى إذا كانت الغلبة لأحد الأطراف عادوا ليناصرون الطرف الآخر وهكذا فيزداد كل طرف ضعفاً ويظلون في حاجة إلى اليهود الذين يملون شروطهم عليهم.
 
 وقد كانت الغلبة في أكثر المعارك للخزرج على الأوس وقد حدث أن الخزرج  في يوم كادوا أن يقتلون الأوس مقتلة عظيمة في يوم" مضرس ومعبس" وتحالف معهم اليهود ، فاستنجدت الأوس ببطلها وشاعرها قيس لينجدها فخرج في القبائل يطلب النصرة مستعملاً قدرته الشعرية فأخذ ينتخي القبائل بشعره ، وعلى رأس ماقاله من شعر في ذلك قوله:
      أَلَمَّ خَيـالُ لَيلـى أُمِّ   عَمـروِ            وَلَـم   يُلمِـم   بِنـا  إِلاَّ    لأمــرِ
      تَقولُ ظَعينَتي لَمّـا    اِستَقَلَّـت          أَتَترُكُ ما جَمَعتَ صَريمَ   سَحرِ
      فَقُلتُ لَها  ذَرينـي إِنَّ    مالـي          يَروحُ  إِذا  غَلَبتُهُـمُ   وَيَسـري
      فَلَستُ لِحاصِنٍ إِن لَم  تَرونـا           نُجادِلُكُم   كَأَنّا  شَـربُ    خَمـرِ
      وَتَحمِلُ حَربَهُم عَنّـا   قُرَيـشٌ          كَأَنَّ   بَنانَهُـم   تَفريـكُ     بُسـرِ
      هَمَمنا بِالإِقامَـةِ  ثُـمَّ   سِرنـا           كَسَيرِ   حُذَيفَةِ  الخَيرِ بنِ    بَـدرِ
      وَرِثنا المَجدَ قَد عَلِمَت    مَعَـدٌّ          فَلَم  نُغلَب وَلَم  نُسبَـق    بِوِتـرِ
      مَتى تَلقَوا رِجالَ الأَوسِ  تَلقَوا        لِباسَ  أَسـاوِدٍ   وَجُلـودَ     نُمـرِ
      وَنَصدُقُ في الصَباحِ إِذا اِلتَقَينا        وَلَو كانَ الصَباحُ  جَحيمَ    جَمرِ
 حتى تحالفوا مع بعض قبائل غطفان وعلى رأسها ذبيان فقامت بعد ذلك "حرب حاطب" التي انتصر فيها الأوس نصراً عظيماً على الخزرج ، وكان أبرز أبطال الأوس في " معارك حاطب" ومابعدها بطلنا الشاعر قيس بن الخطيم ، ولعل مايكفي ليبرز دوره هو أن الخزرج لما انتهت حرب بعاث قبل الهجرة النبوية فكروا في قتل أعظم أوسي نكل بهم ، فاتفقوا على أن يقتلوا قيس بن الخطيم ، وبالفعل عقدوا أمرهم على ذلك وانتظروه في يوم من الأيام  حتى مر من أمام أحد حصونهم فرموه من هناك بثلاثة أسهم ، فصاح بقومه فانطلقوا له وحملوه إلى بيته ، ثم قرروا أن ينتقموا له فاغتالوا أحد أبطال الخزرج وهو يزيد بن عوف النجاري وأتوا برأسه إلى قيس وهو في الرمق الأخير فرآه ثم لم يلبث أن مات.
 وقصة اغتيال قيس تلفت انتباهنا إلى ظاهرة من أخطر ظواهر حرب بعاث والتي جعلت الحياة في يثرب لاتطاق وهي " ظاهرة الاغتيالات " ، فقد قتل كثير من أسياد الأوس والخزرج بهذه الطريقة، كما كانت هذه الاغتيالات سبباً في اشتعال الحرب من جديد، فما أن تهدأ معركة بعضاً من الوقت حتى يتذكر بعض الناس ثاراتهم ثم يغتالون غريمهم ، فتشتعل الحرب من جديد.
 
 
 
 
 
 درجته بين الشعراء ونماذج من شعره:
 
-  كان قيس شاعراً عظيماً، وقد شهد له بالعظمة حكيم العرب وناقدها المشهور في الجاهلية وشاعرها الأول النابغة الذبياني ، فقد قيل أن النابغة كان يأتي إلى يثرب وهذا معروف ومشهور للعلاقة المعروفة بين ذبيان وأهل يثرب فكان شعراؤها يلقون عليه شعرهم ، فأتي إليه قيس وقال قصيدته المشهورة التي مطلعها :
                  أتعرف رسماً كاطراد المذاهب       لعمرة وحشاً غير موقف راكب
 فقال له النابغة: أنت أشعر الناس ياابن أخي. ولم يقدم النابغة في ذلك اليوم أحداً من شعراء المدينة على قيس سوى أنه مدح حسًّان بنفس الكلام الذي مدح به قيس .
- ويكفيك دلالة على عظمته أن بعض النقاد كانوا يقارنون بينه وبين حسان كما فعل النابغة بل وفضله بعضهم على حسان بن ثابت، وهذا ماحكاه ابن سلام الجمحي في كتاب طبقات فحول الشعراء عن بعض النقاد حين وضع قيساً مع حسان في طبقة فحول شعراء المدينة وقال أن بعض النقاد كانوا يفضلونه على حسان بن ثابت، وقد جعل أحد نقاد الأدب المشهورين وهو الأعلم الشنتمري قيس بن الخطيم ضمن أفضل 12 شاعراً روى شعرهم في كتابه الرائع"مختار الشعر الجاهلي" وقد روى الأعلم في كتابه هذا لشعراء المعلقات العشرة وذكر إلى جانبهم علقمة الفحل وشاعرنا قيس ملمحاً في ذلك أن مستواهم من مستوى شعراء المعلقات وإن لم يذكروا ضمن شعراء المعلقات. ومن لايعرف شعر قيس قد يستغرب تقديم بعض النقاد له على شعر حسان بن ثابت ، لكن من قرأ شعر قيس لن يستغرب هذا التقديم، وإن كنا لانقول به لكنه ليس غريباً فلقيس روائع وصلت في قوتها إلى قوة روائع حسان بن ثابت.
   - وعلى رأس روائع قيس التي تنافس روائع حسَّان قصيدة ذكرها حينما نجح في التحالف مع قبائل غطفان ضد الخزرج ، ولقد أبدع فيها أيَّما إبداع فقد بدأها بأبيات غزلية جميلة ، نعم قصيرة لكنها تنافس في نعومتها أنعم أبيات الغزل العباسي، ثم ذكر حربهم مع الخزرج ونجاحه في التحالف مع قبائل غطفان سريعاً، ليبدأ بعد ذلك مقطوعة جميلة فيها من خلاصة الحكمة الشيء الكثير ، وفي هذه القصيدة الجميلة يقول قيس:
 

القصيدة

 
تَروحُ مِنَ الحَسناءِ أَم أَنتَ    مُغتَدي        وَكَيفَ اِنطِلاقُ عاشِقٍ لَـم   يُـزَوَّدِ
تَراءَت لَنا يَومَ الرَحيـلِ   بِمُقلَتـي        غَريرٍ بِمُلتَفٍّ مِنَ السِـدرِ    مُفـرَدِ
وَجيدٍ كَجيدِ الرِئمِ صـافٍ   يَزينُـهُ        تَوَقُّـدُ ياقـوتٍ وَفَصـلِ   زَبَرجَـدِ
كَأَنَّ الثُرَيّا فَـوقَ ثُغـرَةِ   نَحرِهـا        تَوَقَّـدُ فـي الظَلمـاءِ أَيَّ    تَوَقُّـدِ
أَلا إِنَّ بَيـنَ الشَرعَبِـيِّ   وَراتِـجٍ        ضِراباً كَتَخذيمِ السَيـالِ   المُعَضَّـدِ
لَها حائِطانِ المَوتُ أَسفَلَ    مِنهُمـا        وَجَمعٌ مَتى يُصرَخ بِيَثرِبَ    يُصعِدِ
تَرى اللابَةَ السَوداءَ يَحمَرُّ  لَونَهـا        وَيُسهِلُ مِنها كُـلُّ ريـعٍ    وَفَدفَـدِ
لَعَمري لَقَد حالَفتُ ذُبيـانَ    كُلَّهـا        وَعَبساً عَلى ما في الأَديمِ   المُمَـدَّدِ
وَأَقبَلتُ مِن أَرضِ الحِجازِ   بِحَلبَـةٍ        تَغُـمُّ الفَضـاءَ كَالقَطـا   المُتَبَـدِّدِ
تَحَمَّلتُ ما كانَت مُزَينَـةُ   تَشتَكـي        مِنَ الظُلمِ في الأَحلافِ حَملَ التَغَمُّدِ
أَرى كَثرَةَ المَعروفِ يُورِثُ   أَهلَـهُ        وَسَوَّدَ عَصرُ السوءِ غَيرَ   المُسَـوَّدِ
إِذا المَرءُ لَم يُفضِل وَلَم يَلقَ    نَجدَةً        مَعَ القَومِ فَليَقعُـد بِصُغـرٍ   وَيَبعَـدِ
وَإِنّي لأغنى الناسَ عَـن   مُتَكَلِّـفٍ        يَرى الناسَ ضُلالاً وَلَيسَ    بِمُهتَدي
كَثيرِ المُنى بِالزادِ لا خَيرَ    عِنـدَهُ        إِذا جاعَ يَوماً يَشتَكيهِ ضُحى الغَـدِ
نَشا غُمُـراً بَـوراً شَقِيّـاً   مُلَعَّنـاً        أَلَـدَّ كَـأَنَّ رَأسُـهُ رَأسُ   أَصيَـدِ
وَذي شيمَةٍ عَسراءَ تَسخَطُ    شيمَتي        أَقولُ لَهُ دَعنـي وَنَفسَـكَ   أَرشِـدِ
فَما المالُ وَالأَخـلاقُ إِلاّ    مُعـارَةٌ        فَما اِسطَعتَ مِن مَعروفِها  فَتَـزَوَّدِ
مَتى ما تَقُد بِالباطِلِ الحَـقَّ   يَأبَـهُ        وَإِن قُدتَ بِالحَقِّ الرَواسِـيَ   تَنقَـدِ
مَتى ما أَتَيتَ الأَمرَ مِن غَيرِ    بابِهِ        ضَلِلتَ وَإِن تَدخُل مِنَ البابِ تَهتَـدِ
فَمَن مُبلِغٌ عَنّي شَريدَ بـنَ   جابِـرٍ        رَسولاً إِذا ما جاءَهُ وَاِبـنَ   مَرثَـدِ
فَأَقسَمتُ لا أُعطي يَزيـدَ   رَهينَـةً        سِوى السَيفِ حَتّى لا تَنوءَ لَهُ   يَدي
فَلا يُبعِدَنكَ اللَهُ عَبـدَ بـنَ    نافِـذٍ        وَمَن يَعلُهُ رُكنٌ مِنَ التُربِ    يَبعَـدِ
 
 
 
 - ومن روائعه أيضاً تلك القصيدة التي قالها في مساجلة له مع حسان بن ثابت بعد أن انتصرت الأوس على الخزرج في "حرب حاطب"، والتي يقال أنها كانت سبباً مهماً من أسباب اغتيال الخزرج له، فمن يقرأ الأبيات الأخيرة منها يرى أن قيساً سامحه الله أفحش فيها وتجرأ فيها على بني عمومته من الخزرج جرأة قوية، وهذه القصيدة ذكرها أبو زيد القرشي في كتاب "جمهرة أشعار العرب" من بين المذهبات من قصائد الشعر العربي ، كما اختارها الثعالبي ضمن كتابه" المنتخب في محاسن أشعار العرب " ، وقد ذكرنا جزءا منها سابقاً وهي التي مطلعها:
               أَتَعرِفُ رَسماً كَاِطِّـرادِ    المَذاهِـبِ        لَعَمرَةَ وَحشاً غَيرَ مَوقِـفِ   راكِـبِ
 
- وله قصيدة رائعة بكل معنى الكلمة، وقد ذكرنا هذه القصيدة سابقاً وهي التي قالها يذكر قصة انتقامه لأبيه وجده ويفتخر بذلك ، وهذه القصيدة ذكرها الأعلم الشنتمري على رأس مختاراته من أشعار قيس بن الخطيم ،وهي التي مطلعها:
            تَذَكَّـرَ لَيلـى حُسنَهـا   وَصَفاءَهـا       وَبانَت فَأَمسى مـا يَنـالُ    لِقاءَهـا
 
- ولقيس قصيدة رائعة أوردها الأصمعي ضمن مختاراته من أشعار الفحول ، وقد أبرز فيها قيس بعض قدراته الغزلية الوصفية وهذا مالم يظهر في كثير من قصائده، ومنها قوله :
 

القصيدة


 
رَدَّ الخَليـطُ الجِمـالَ فَاِنصَرَفـوا        مـاذا عَلَيهِـم لَـو أَنَّهُـم   وَقَفـوا
لَـو وَقَفـوا ساعَـةً    نُسائِلُـهُـم        رَيثَ يُضَحّـي جِمالَـهُ    السَلَـفُ
فيهِم لَعـوبُ العَشـاءِ آنِسَـةُ    ال        دَلِّ عَـروبٌ يَسوءُهـا    الخُلُـفُ
بَيـنَ شُكـولِ النِسـاءِ خِلقَتُـهـا        قَصـدٌ فَـلا جَبلَـةٌ وَلا    قَضَـفُ
تَغتَرِقُ الطَـرفَ وَهـيَ    لاهِيَـةٌ        كَأَنَّمـا شَـفَّ وَجهَهـا   نُــزُفُ
قَضى لَها اللَهُ حيـنَ يَخلُقُهـا    ال        خـالِـقُ أَلّا يُكِنَّـهـا    سَــدَفُ
تَنـامُ عَـن كُبـرِ شَأنِهـا   فَـإِذا        قامَـت رُوَيـداً تَكـادُ    تَنغَـرِفُ
حَـوراءُ جَيـداءُ يُستَضـاءُ بِهـا        كَأَنَّهـا خـوطُ بانَـةٍ    قَـصِـفُ
تَمشي كَمَشيِ الزَهراءِ في دَمَثِ ال        رَملِ إِلى السَهلِ دونَـهُ  الجُـرُفُ
وَلا يَغِثُّ الحَديـثُ مـا    نَطَقَـت        وَهـوَ بِفيهـا ذو لَـذَّةٍ   طَــرِفُ
تَخزُنُـهُ وَهـوَ مُشتَهـى   حَسَـنٌ        وَهـوَ إِذا مـا تَكَلَّمَـت    أُنُــفُ
 
- ولعلنا لا نستطيع أن نمر بشعر قيس دون أن نذكر إحدى ميزاته الفنية، وهي ابتكار بعض الصور الشعرية التي لم يتطرق لها الشعراء الذين سبقوه . ومن ذلك قوله:
      أَنّى سَرَبتِ وَكُنتِ   غَيرَ    سَروبِ        وَتُقَرِّبُ الأَحلامُ   غَيـرَ    قَريـبِ
      ما تَمنَعي يَقظـى    فَقَـد      تُؤتينَـهُ        في النَومِ غَيرَ مُصَرَّدٍ    مَحسوبِ
      كـانَ   المُنـى    بِلِقائِهـا      فَلَقيتُهـا        فَلَهَوتُ مِن لَهوِ  اِمرِئٍ   مَكـذوبِ
فهو هنا يتحدث عن خيالها الذي زاره في المنام ، وكيف استطاع أن يستمتع بها  في الأحلام التي تقرب كل بعيد.
 
- كما تطالعنا ميزة أخرى من ميزات شعره لم ينافسه فيها من شعراء الجاهلية إلا زهير، وهذه الميزة هي التركيزعلى شعر الحكمة والنصح والإكثار منه ، بل لانبالغ إذا قلنا أن مايقارب الثلث من شعر قيس هو في مجال الحكمة والنصائح، وهذا مايجعلنا نصدق ماقيل من أن الأنصار كانوا يجعلون أشعار قيس وحسان من أوائل مايدرسونه لأبنائهم بعد كتاب الله الكريم وحديث رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن يطلع على شعر الحكمة عند قيس يرى أن قيساً هو الذي يستحق أن يحمل لواء الحكمة في الشعر الجاهلي. وهنا سوف نورد لكم على عجل نماذج من شعره في الحكمة ، فمن ذلك قوله وهي من أفضل قصائده في الحكمة والنصح: 
      إِذا جـاوَزَ الإِثنَيـنِ   سِـرٌّ   فَإِنَّـهُ            بِنَشـرٍ وَتَكثيـرِ  الحَديـثِ     قَميـنُ
      وَإِن ضَيَّعَ الإِخوانُ سِـرّاً   فَإِنَّنـي          كَتـومٌ   لأسـرارِ   العَشيـرِ   أَميـنُ
      يَكونُ لَهُ عِندي  إِذا مـا    ضَمِنتُـهُ           مَقَـرٌّ   بِسَـوداءِ  الفُـؤادِ    كَنـيـنُ
      سَلي مَن نَديمي في النَدامى وَمَألَفي         وَمَن هُوَ لي عِندَ الصَفاءِ    خَديـنُ
      وَأَيُّ أَخي حَربٍ إِذا هِيَ   شَمَّـرَت         وَمِدرَهِ  خَصـمٍ  بَعـدَ  ذاكَ   أَكـونُ
      وَهَل يَحذَرُ الجارُ الغَريبُ  فَجيعَتي         وَخَوني وَبَعضُ المُقرِفينَ  خَـؤونُ
      وَما لَمَعَت  عَينـي  لِغِـرَّةِ   جـارَةٍ          وَلا وَدَّعَـت   بِالـذَمِّ  حيـنَ   تَبيـنُ
      أَبى  الذَمَّ  آبـاءٌ نَمَتنـي   جُدودُهُـم           وَمَجدي لِمَجدِ الصالِحيـنَ   مُعيـنُ
      فَذَلِـكَ  مـا  قَـد  تَعلَميـنَ     وَإِنَّنـي          لَجَلدٌ عَلى رَيبِ الخُطـوبِ   مَتيـنُ
      أُمِرُّ عَلى الباغي وَيَغلُـظُ    جانِبـي          وَذو القَصدِ  أَحلولـي  لَـهُ   وَأَليـنُ
       
     
 
- ومن شعره في الحكمة قوله:
        مَن  يَكُ   غافِلاً   لَـم يَلـقَ    بُؤسـاً          يُنِـخ يَومـاً  بِساحَتِـهِ   القـضـاءُ
        تَناوَلُـهُ    بَنـاتُ   الدَهـرِ     حَـتـّى         تُثَلِّمَـهُ  كَمـا    اِنثَـلَـمَ    الإِنــاءُ
        وَكُـلُّ    شَديدَةٍ    نَزَلَـت     بِـحَـيٍّ         سَيَأتـي  بَعـدَ   شِدَّتِهـا     رَخــاءُ
        فَقُـل    لِلمُتَّقـي    عَـرَضَ   المَنايـا         تَـوَقَّ   وَلَيـسَ  يَنفَعُـكَ   اِتِّـقـاءُ
        فَلا يُعطى الحَريصُ غِنىً لِحِرصٍ           وَقَد يَنمي  لِـذي  العَجـزِ الثَـراءُ
        غَنِيُّ  النَفسِ  ما  اِستَغنـى    غَنِـيٌّ         وَفَقرُ النَفسِ ما عَمِـرَت    شَقـاءُ
 
- ومن شعره في الحكمة أيضاً:
       يَصوغُ لَكَ اللِسانُ عَلى هَواهُ         وَيَفضَحُ   أَكثَرَ القيلِ    البَـلاءُ
      وَما بَعضُ الإِقامَةِ في    دِيارٍ        يَكونُ  بِها  الفَتـى  إِلاّ   عَنـاءُ
      وَلَم أَرَ كَاِمرِئٍ يَدنو    لِخَسفٍ        لَهُ في الأَرضِ سَيرٌ   وَاِنتِواءُ
      وَبَعضُ خَلائِقِ  الأَقـوامِ   داءٌ        كَداءِ الكَشحِ  لَيسَ  لَهُ   شِفـاءُ
      أَلا مَن مُبلِغُ   الشُعَراءِ   عَنّـي        فَلا ظُلمٌ   لَـدَيَّ  وَلا     اِبتِـداءُ
      وَلَستُ  بِعابِطِ الأَكفاءِ   ظُلمـاً        وَعِندي   لِلمُلِمّـاتِ    اِجتِـزاءُ
      يُحِبُّ المَرءُ  أَن  يَلقى    مُنـاهُ        وَيَأبى  اللَـهُ   إِلّا   مـا   يَشـاءُ
 
- ومن ذلك أيضاً قوله في الأمانة : 
         يا عَمروُ إِن تُسدِ الأَمانَةَ  بَينَنـا         فَأَنا الَّذي إِن خُنتَهـا    يَرعاهـا
       يا عَمروُ لَيسَ أَخو الأَمانَةِ بِالَّذي        ما رابَهُ مِـن خُطَّـةٍ    أَفشاهـا
       يا عَمروُ إِنَّ أَخا الأَمانَةِ    كاتِـمٌ        لَـو  يَستَطيـعُ بِجِلـدِهِ   أَخفاهـا

(11) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية